الثلاثاء، 3 نوفمبر 2009

موقف القرآن من التوراة

موقف القرآن من التوراة
(مع استعراض بعض أقوال الأئمة فيها)


إعداد
عبدالعزيز بن غويزي الشاطري

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ....وبعد
فهذا بحث موجز ومختصر سأعرض فيه بإذن الله تعالى دراسة عن التوراة وموقف القرآن منها متناولا بالنقد أسفارها الخمسة ومدى ثبوتها وصحة سندها إلى نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، وموضحاً جهود العلماء في هذا الشأن، من خلال النقاط التالية:
المبحث الأول:تعريف التوراة في اللغة والاصطلاح.
المبحث الثاني:أقسام العهد القديم.
المبحث الثالث:موقف المسلمين من التوراة.
المبحث الرابع:تحريف التوراة.
المبحث الخامس:تاريخ تدوين التوراة.
المبحث السادس:نقد علماء المسلمين للتوراة.
المبحث السابع:نقد علماء اللاهوت اليهود للتوراة.
سائلاً المولى سبحانه الإعانة والتوفيق.

المبحث الأول:تعريف التوراة في اللغة والاصطلاح:

1- تعريفها لغة:
اختلف علماء العربية والتفسير في أصل معناها، فمنهم من قال:
-إنه علم اخترع ووضع ليدل على الوحي الذي أنزل على موسى عليه السلام.
-ومنهم من قال إنها مشتقة من الوري، وري الزند إذا خرجت ناره، يريد أن التوراة: هدى ونور، ومنه قول الله عز وجل: { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ}[المائدة:44].
-وذهب الإمام الطبري إلى أنها مأخوذة من التورية، وهي التعريض بالشيء والكتمان لغيره، فكأن أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح.
-ومحاولة اشتقاق معنى للتوراة من أوزان لغة العرب فيه تكلف ، قال جمال الدين القاسمي:
" التوراة اسم عبراني معناه الشريعة، والإنجيل لفظة يونانية معناها البشرى، أي الخبر الحسن، هذا هو الصواب كما نص عليه علماء الكتابين في مصنفاتهم، وقد حاول بعض الأدباء تطبيقها على أوزان لغة العرب واشتقاقها منها، وهو خبط بغير ضبط"[1]
وقال الزمخشري :" والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان،وتكلف اشتقاقهما من الوري والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل ، إنما يصح بعد كونهما عربيين"[2]
فهي إذاً كلمة عبرانية تعني: الشريعة أو التعليم أو الناموس والهدى[3].

2-تعريفها اصطلاحا:
يراد بالتوراة في اصطلاح اليهود: خمسة أسفار يعتقدون أن موسى عليه السلام كتبها بيده، ويسمونها "بنتاتوك" نسبة إلى "بنتا" وهي كلمة يونانية تعني خمسة، أي الأسفار الخمسة[4].
وفي اصطلاح المسلمين: هي الكتاب الذي أنزله الله على نبيه موسى عليه السلام كاملاً مكتوباً في الألواح نوراً وهدى للناس[5].
والتوراة في الأصل هي الأسفار الخمسة التي نزلت على موسى عليه السلام،وقد يطلق لفظ التوراة على الأسفار الخمسة وبقية الأسفار الأخرى التي تمثل بمجموعها ما يعرف عند أهل الديانتين اليهودية والنصرانية بالعهد القديم، من باب إطلاق الجزء على الكل، وهذا ما يجرنا إلى إيضاح أقسام العهد القديم وأسفاره في المبحث التالي.

المبحث الثاني:أقسام العهد القديم:

التوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى تتكون من أقسام عدة :
أ ) الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى والتي يقابلها عند المسلمين (التوراة) وهي:
1) سفر التكوين: ويقع في (50) إصحاحاً، وسمي بذلك لاشتماله على قصة خلق العالم، ثم قصص آدم وذريته ونوح وإبراهيم وذريته، وينتهي هذا السفر باستقرار بني إسرائيل في مصر وموت يوسف عليه السلام.
2) سفر الخروج: ويقع في (40) إصحاحاً، وسمي بذلك نسبة إلى حادثة خروج بني إسرائيل من مصر إلى أرض سيناء بقيادة موسى عليه السلام، وفيه ذكر الحوادث التي جرت لبني إسرائيل في أرض التيه، والوصايا العشر، والكثير من الأحكام والتشريعات.
3) سفر اللاويين: ويقع في (27) إصحاحاً، ويحتوي على شؤون العبادات وخاصة القرابين والطقوس الكهنوتية، وكانت الكهانة موكولة إلى سبط لاوي بن يعقوب، فلذلك نسب السفر إليهم.
4) سفر العدد: ويقع في (36) إصحاحاً، وسمي بذلك لأنه حافل بالعد والإحصاء لأسباط بني إسرائيل وما يمكن إحصاؤه من شؤونهم، ويتخلل ذلك بعض الأحكام والتشريعات.
5) سفر التثنية: ويقع في (34) إصحاحاً، وسمي بذلك لإعادة ذكر الوصايا العشر فيه، وتكرار الشريعة والتعاليم مرة ثانية على بني إسرائيل عند خروجهم من أرض سيناء.[6]
ويجدر التنبيه هنا إلى أن فرقة السامريين اليهودية تقتصر على هذه الأسفار الخمسة ولا تؤمن بما سواها ما عدا سفري يشوع والقضاة[7].
ب) الأسفار التاريخية: وهي أسفار منسوبة لعدد من الأنبياء، وعددها اثني عشر: (سفر يشوع، سفر القضاة، سفر راعوث، سفر صموئيل الأول، سفر صموئيل الثاني، سفر الملوك الأول، سفر الملوك الثاني، سفر أخبار الأيام الأول، سفر أخبار الأيام الثاني، سفر عزرا، سفر نحميا، سفر أستير).
ج) أسفار الشعر والحكمة، وهي خمسة أسفار: (سفر أيوب، سفر المزامير، سفر الأمثال، سفر الجامعة، سفر نشيد الإنشاد)، وتنسب هذه المجموعة في غالبها إلى داود وسليمان، ومن المزامير ما ينسب إلى آخرين مجهولين.
د) الأسفار النبوية، وتتكون من سبعة عشر سفراً، وهي : (سفر إشعيا، سفر إرميا، سفر مراثي إرميا، سفر حزقيال، سفر دانيال، سفر هوشع، سفر يؤئيل، سفر عاموس، سفر عوبديا، سفر يونان، سفر ميخا، سفر ناحوم، سفر حبقوق، سفر صفينا، سفر زكريا، سفر حجي، سفر ملاخي). وتسمى الأسفار الستة الأولى أسفار الأنبياء الكبار، والبقية الأنبياء الصغار.
هـ) أسفار الأبوكريفا السبعة، وهي: ( باروخ، طوبيا، يهوديت، الحكمة، يشوع بن سيراخ، المكابيين الأول، المكابيين الثاني). يسميها البعض الأسفار الخفية، وكانت موضع ارتياب بعض آباء الكنيسة الأوائل ، فالقديس جيروم ترجم أسفار الأبوكريفا إلى اللاتينية، لكنه لم يضفها إلى الأسفار القانونية، لكن غيره قبلها، واجتمعت الفرق المسيحية على قبولها في مجمعي هيبو (393م) وقرطاجة (397م).
واستمر الأمر كذلك حتى القرن السادس عشر الميلادي[8]، حين ظهر البروتستانت، فرفضوا الإيمان بقانونية هذه الأسفار تبعاً لليهود، وأما الأرثوذكس والكاثوليك فقد تمسكوا بها، وإن كان البعض يطبعونها منفردة في بعض النسخ الحديثة حرصاً على الوحدة الدينية للمذاهب النصرانية.
وقد أقر قانونية هذه الأسفار جميعاً مجمع "ترنت" الكاثوليكي سنة 1554 - 1563م، والأرثوذكس في مجمع "بيت المقدس" سنة 1672م.
ويجدر بالذكر أن بعض الكنائس المسيحية تزيد أسفاراً أخرى إلى الكتاب المقدس، كالكنيسة الأثيوبية التي تقول عنها دائرة المعارف الكتابية: "فعلاوة على الأسفار القانونية المعترف بها، فإنهم يقبلون راعي هرماس وقوانين المجامع ورسائل أكليمندس، والمكابيين وطوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ وباروخ، وأسفار أسدراس الأربعة، وصعود إشعياء، وسفر آدم ويوسف بن جوريون وأخنوخ واليوبيل"[9].
خلاصة القول: أن اليهود-عدا السامريين-وجميع طوائف النصارى يؤمنون بالأسفار ال39 الأولى، وهو ما تتضمنه النسخ المطبوعة من العهد القديم غالباً.
كما يؤمن الكاثوليك والأرثوذكس بالإضافة إلى ذلك بأسفار الأبوكريفا السبعة.
ويوافقهم على ذلك بعض الكنائس الأخرى كالكنيسة الأثيوبية، وتضيف إليها أسفاراً أخرى.

المبحث الثالث:موقف المسلمين من التوراة:

يعتقد المسلمون أن التوراة وحي الله وكتابه وهديه الذي أنزله على موسى عليه السلام في ألواح بعد أن صام ثلاثين ليلة ثم أمره الله أن يزيدها عشرا، وقد اختار ذلك ابن جرير وابن كثير[10]يقول الله تعالى في سورة الأعراف:
{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)}
وقد ورد كلمة التوراة في القرآن 18 مرة بهذا اللفظ، كما ورد ذكرها باسم النور والكتاب والهدى مرات عديدة.
يقول الله تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}[المائدة: 44]، ويقول سبحانه:{ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ} [آل عمران: 3-4].
والمسلمون يؤمنون بالتوراة كما يؤمنون بكل ما أنزل على الأنبياء السابقين، استجابة لأمر ربهم :{ قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }[البقرة: 136], وقد وصفهم الله تعالى بذلك:{آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}[البقرة: 285].
وهم يعتقدون أن الله وكل إلى أهل الكتاب حفظ كتابهم: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ }[المائدة: 44]، ولم يكونوا أمناء على الأمانة التي وضعها الله في أعناقهم، فقد امتدت أيديهم إلى الكتاب تتلاعب بمضامينه ومعانيه ، فذكر أنهم { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ }[المائدة: 13].
كما أخبرنا عز وجل أنهم كتموا بعضاً مما أنزله عليهم ، وأن الله بعث نبيه ومعه بيان كثير مما أخفوه ، ناهيك عما تجاوزه، فلم يظهره { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }[المائدة: 15].
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا التحريف والتغيير والتبديل وقع من اليهود أنفسهم فقال: "إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه وتركوا التوراة"[11]
وهذا المعنى في نفوس الصحابة والمؤمنين بعدهم، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنـزل على رسول الله r أحدث، تقرؤونه محضاً لم يُشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً)[12]
وخلاصة عقيدة المسلمين في التوراة أنهم يؤمنون بتوراة موسى كل الإيمان، ويؤمنون بأنها حرفت ولم تحفظ، وأن القوم أخفوا أشيئاء، وكتبوا أشياء، وضاع منهم الكثير، وما بين أيديهم لا يخلو من بعض الحق.
ويعتقدون أن توثيق القرآن ومدحه، إنما هما لكتاب الله ووحيه، وليس للمحرف من كتبهم، والمنسوب زوراً إلى الله عز وجل[13].

المبحث الرابع:تحريف التوراة:

1-أدلة تحريف التوراة من القرآن:
يقول الله عز وجل:
{ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[البقرة:75]
ويقول سبحانه:
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة:79]
ويقول:
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:78]
فهذه الآيات فيها دلالة واضحة على أن اليهود قد حرفوا كلام الله وأدخلوا فيه ما ليس منه، وافتروا عليه الكذب بان نسبوا إليه سبحانه مالم يقله وهم يعلمون ذلك فجوراً منهم وجرأة على الله تعالى وتقدّس.
2-أنواع التحريف كما ورد ذكرها في القرآن:
1- تحريف بالتبديل
2- تحريف بالزيادة
3- تحريف بالنقصان
ويأخذ ذلك أشكالاً كثيرة كالآتي:
(أ)إلباس الحق بالباطل والباطل بالحق:
حتى ينطلي ذلك الباطل ويروج على عامة الناس قال تعالى: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون}[آل عمران:71]
(ب)كتمان الحق:
وهو مرتبط أيضاً بإلباس الحق بالباطل، كما في الآية السابقة، وفي قوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}[البقرة:42]، ومن أهم أمثلة كتمان الحق إنكارهم لصفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
(ج)إخفاء الحق:
وهو شبيه إلى حدٍ ما بالكتمان. ويفرق العلماء بينهما بأن الكتمان للأمر العظيم مثل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والإخفاء للأمر الذي فيه خزي لهم، قال تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير}[المائدة:15]

(د)تحريف الكلم عن مواضعه:
بوضع كلمة مكان كلمة أو جملة مكان جملة: وهذا هو تحريف التبديل، وقد يكون بإسقاط كلمة وهو تحريف بالنقص، أو بزيادة كلمة أو جملة وهو تحريف بالزيادة، وقد يكون بصرف المعنى إلى معنى آخر غير مقصود وهو تحريف المعنى، قال تعالى:{يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به}[المائدة:13]، وقال:{من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه}[المائدة:46]، وقال:{يحرفون الكلم من بعد مواضعه}[المائدة:41]
(ز)ليُّ اللسان:
وهو أن يقولوا كلمة ظاهرها حسن، وباطنها سيء، ومثاله قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم(واسمع غير مسمع) وقولهم(راعنا)، فظاهر الكلام حسن وباطنه قبيح حيث يتهمونه صلى الله عليه وسلم بالرعونة وأنك تُسمع قوماً لا يسمعونك لتفاهة كلامك..
قال ابن حيان في البحر المحيط:" قال ابن عطية : وهذا الليّ باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل ، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة ، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب انتهى . وهو يحكي عن يهود الأندلس ، وقد شاهدناهم وشاهدنا يهود ديار مصر على هذه الطريقة ، وكأنهم يربون أولادهم الصغار على ذلك ، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير"[14].
وهناك نوع آخر من ليّ اللسان وذلك أثناء قراءتهم للتوراة، فيضعون كلاماً من عندهم، بدلاً من آيات الله، قال تعالى:
{وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله ويقولون على الكذب وهم يعلمون}[آل عمران:78]
وقد استخدم اليهود كل طرق التحريف والتغيير من نقص وزيادة وتبديل وتأويل وكل ما توصلت إليه عقولهم من حيل يميلها عليهم الشيطان.

والمسلمون متفقون على وقوع التحريف في التوراة لكنهم يختلفون في معنى هذا التحريف على ثلاثة أقوال:
الأول:أن التحريف والتبديل وقع في التأويل لا في النص المنزل، أي أن اليهود كانوا يتأولون النص على غير تأويله.
ويضم القائلين بهذا القول بعض كبار العلماء كالإمام البخاري والفخر الرازي وابن كثير.
يقول الإمام البخاري رحمه الله:" وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه: يتأولونه على غير تأويله"[15]ولا شك أن هذا النوع من التحريف قد وقع وهو محل إجماع من المسلمين، ولكن تحريف اليهود وتبديلهم لم يقف عند هذا الحد.
الثاني:أن التوراة قد غيرت وبدلت ولكن التغيير والتحريف أصاب جملاً قليلة وألفاظاً يسيرة، أما أكثر التوراة فهو باقٍ على ما أنزله الله على موسى الكليم عليه السلام، وأبرز من تبنى هذا الرأي شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، يقول ابن تيمية رحمه الله في الجواب الصحيح:
"وأما التوراة فمن المعلوم عند المسلمين واليهود والنصارى أن بيت المقدس خرب الخراب الأول، وجلا أهله منه وسبوا، ولم يكن هناك من التوراة نسخ كثيرة ظاهرة، بل إنما أُخذت عن نفر قليل.
كما يقولون: إن عزيراً أملاها وأنهم وجدوا نسخة أخرى فقابلوها بها، والمقابلة تحصل باثنين وقد يغلط أحدهما، وهم يذكرون أن من الملوك من أمر اثنين وسبعين حبراً منهم بنقلها... وهذا إن كان صدقاً لا يمنع أن يكون الغلط وقع في بعض الفاظها قبل ذلك إلا أن يثبت أنها مأخوذة عن نبي معصوم، أو أقر جميع ألفاظها نبي معصوم"[16]
ويصف هذا القول بأنه قول الجمهور فيقول:
"ومن حجة الجمهور الذين يمنعون أن تكون جميع ألفاظ هذه الكتب المتقدمة الموجودة عند أهل الكتاب منزلة من عند الله، لم يقع فيها تبديل، ويقولون: إنه وقع التبديل في بعض ألفاظها، ويقولون: إنه لم يُعلم أن ألفاظها منزلة من عند الله، فلا يجوز أن يُحتج بما فيها من الألفاظ في معارضة ما عُلم ثبوته أنهم قالوا: التوراة والإنجيل الموجودة اليوم بيد أهل الكتاب لم تتواتر عن موسى وعيسى عليهما السلام، أما التوراة فإن نقلها انقطع لما خرب بيت المقدس أولاً، وأُجلي منه بنو إسرائيل، ثم ذكروا أن الذي أملاها عليهم بعد ذلك شخص واحد يقال له عزرا، وزعموا أنه نبي"[17].
ويقول رحمه الله:"وكل عاقل يعلم أن الكتب التي بأيديهم في تفسيرها من الاختلاف والاضطراب بين فرق النصارى وبين النصارى واليهود ما يوجب القطع بأن كثيرا من ذلك مبدل محرف وكذلك وقع في تغيير شرائع هذه الكتب فإن الكتب تضمنت أصلين الإخبار والأمر والإيمان بها لا يتم إلا بتصديقها فيما أخبرت وإيجاب طاعتها فيما أوجبته وأهل الكتاب يكذبون بكثير مما أخبرت ولا يوجبون طاعتها في كثير مما أوجبته وأمرت به وكل فرقة منهم تشهد على الفرقة الأخرى بمثل ذلك"[18]
ويقول ابن القيم رحمه الله:" فكيف ينكر من طائفة تواطأت على تكذيب المسيح، وجحد نبوته، وبهته وبهت أمه، والكذب الصريح على الله وعلى أنبيائه، وتعطيل أحكام الله، والاستبدال بها، وعلى قتلهم أنبياء الله؛ أن تتواطأ على تحريف بعض التوراة"[19]
وهذا الرأي أيضاً كسابقه في عدم موافقته لواقع الحال-والله أعلم-، فالتحريف والتبديل لم يشمل آيات قليلة محدودة في التوراة بل شملها كلها.
الثالث:وهذا القول-هو الصواب والله أعلم- والأدلة عليه كثيرة جداً، وهو أن التوراة التي جاء بها موسى كلها أو أكثرها قد بُدِّل وغُيِّر، وأنه لا تطابق بين التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام والتوراة الموجودة اليوم بين أيدي الناس في شيء، إلا شذرات قليلة هنا وهناك.
وقد ذهب إلى هذا القول مجموعة من علماء الإسلام الذين اطلعوا على التوراة ودرسوها دراسة فاحصة ومن هؤلاء :
1-ابن حزم الأندلسي(ت:456هـ) وقد أفاض في تقصي ذلك في كتابه الفَصْل في الملل والنحل.
2-الجويني (ت:478هـ) في كتابه شفاء الغليل.
3-الغزالي(ت:505هـ) في كتابه الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل.
4-الباجي الشافعي(ت:714هـ) في كتابيه:الأول: "الرد على اليهود والنصارى"، والثاني: "على التوراة" وقد نقد فيه نص التوراة اليونانية وعلق على كل إصحاح في جميع الأسفار الخمسة.
5-القرطبي(ت:671هـ) في كتابه الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام.
6-رحمة الله الهندي (1308هـ)في إظهار الحق، وأكثر المعاصرين على هذا القول.[20]
بل إن المصادر الآن تكاد تجمع على أن اليهود أعادوا كتابة التوراة على النحو الذي هو قائم الآن في منفى بابل عام 586ق.م تقريباً[21].
يقول الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله مورداً لهذا الاختلاف وموجهاً له:
"وقال بعض الشراح المتأخرين اختلف في هذه المسألة على أقوال:
أحدها: انها بدلت كلها وهو مقتضى القول المحكي بجواز الامتهان وهو افراط وينبغي حمل إطلاق من اطلقه على الأكثر والا فهي مكابرة والآيات والأخبار كثيرة في انه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل من ذلك قوله تعالى (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) الآية ومن ذلك قصة رجم اليهوديين وفيه وجود آية الرجم ويؤيده قوله تعالى (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين).
ثانيها: ان التبديل وقع ولكن في معظمها وادلته كثيرة وينبغي حمل الأول عليه
ثالثها :وقع في اليسير منها ومعظمها باق على حاله ونصره الشيخ تقي الدين بن تيمية في كتابه الرد الصحيح على من بدل دين المسيح.
رابعها: انما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ وهو المذكور هنا[22]"[23]،
وابن حجر كما ظهر لي يميل إلى القول الثاني من هذه الأقوال الأربعة التي أردها نقلاً عن أحد شرّاح الصحيح ويؤكد ذلك نقله الطويل عن ابن حزم وقوله كالتوطئة لهذا النقل "إنما النزاع هل حرفت الألفاظ أو لا وقد وجد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله عز و جل أصلا وقد سرد أبو محمد بن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل أشياء كثيرة من هذا الجنس"[24]، ورأي ابن حجر قريب من القول الثالث-هنا- إن لم يكن موافقاً له.

المبحث الخامس:تاريخ تدوين التوراة:

في هذا المبحث سنحاول التعرف على تاريخ تدوين التوراة من أسفار التوراة نفسها، وسنقوم بتتبع ما يتعلق بتدوينها وحفظها ليتضح الأمر بجلاء :
من ينظر في العهد القديم [التوراة (الأسفار الخمسة) وبقية الأسفار]يجد ذكراً محدوداً لأسفار موسى التي يسمونها الشريعة، أو سفر الرب، أو التوراة.
ونجد أن اليهود ذكروا:
1-أن موسى عليه السلام دون جميع الأحكام، وكتبها، وهي أحكام أعطيها شفهياً:
ورد في سفر الخروج:((فجاء موسى وحدَّث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام فأجاب جميع الشعب بصوت واحد:كلُّ الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل))[25]
2- أن موسى عليه السلام أُعطي شريعة مكتوبة بيد الله تعالى:
ورد في سفر الخروج:((وقال الرب لموسى: اصعد إليَّ إلى الجبل وكن هناك فأُعطيَك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم))[26]
ثم ذكروا بعد هذا أنَّ موسى عليه السلام مكث أربعين يوماً في الجبل وذكروا شرائع كثيرة أُعطيها، وتكلم الله بها معه، ثم في نهاية ذلك ذكروا إعطاءه الألواح.
((ثم أَعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة: لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله.))[27]
وفي أثناء غياب موسى عبد بنو إسرائيل العجل، فلما عاد ورآهم يرقصون حول العجل ألقى الألواح فتكسرت، ثم إن الله سبحانه كتب له لوحين آخرين بدلاً عنهما.[28]
3- ذكر اليهود أن موسى عليه السلام كتب التوراة قبيل وفاته، وأعطاها لحاملي التابوت:
جاء في سفر التثنية: ((وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة من بني لاوي حاملي تابوت عهد الرب، ولجميع شيوخ إسرائيل، وأمرهم موسى قائلاً: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة البراء في عيد المظال حينما يجيء جميع إسرائيل لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تُقرأ هذه التوراة، أمام كل إسرائيل في مسامعهم))[29]
4-ذكر اليهود في "سفر يشوع" أن يوشع كتب التوراة مرة أخرى على أحجار المذبح حسب وصية موسى عليه السلام:
((حينئذٍ بنى يشوع مذبحاً للرب إله إسرائيل في جبل عيبال...وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل...وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة حسب كل ما كتب في سفر التوراة))[30]
5-انقطع بعد هذا ذكر التوراة وخبرها، فلا يذكر اليهود في كتابهم التوراة التي كتبها موسى عليه السلام، ولا ما كتبه يشوع على حجارة المذبح، وإنما ذكروا التابوت الذي وضع موسى عليه السلام فيه التوراة، وأن هذا التابوت استولى عليه الأعداء في زمن النبي صموئيل-حسب قولهم- ثم أعيد إليهم بعد سبعة أشهر فجعلوه في قرية يسمونها يعاريم[31].
وبقي هناك -كما ذكرو- عشرين عاماً إلى أن جاء داود عليه السلام فأصعده من هناك إلى "أورشليم" وجعله في خيمة، ثم نقله سليمان عليه السلام إلى الهيكل الذي بناه، وجعله في قدس الأقداس كما يزعمون، وكانوا يستقبلونه في الصلاة، وقد ذكروا هنا أنَّ سليمان عليه السلام حين فتح التابوت لم يكن فيه سوى لوحي الحجر اللذين وضعهما موسى عليه السلام.[32]
فأين ذهبت النسخة التي نسخها موسى بيده، ووضعها في التابوت؟
6-بعد سليمان عليه السلام انقسمت دولة بني إسرائيل إلى قسمين:
- دولة إسرائيل في الشمال: وهي تحت حكم " يربعام بن نباط" وعاصمتها نابلس.
- دولة إسرائيل في الجنوب: وهي تحت حكم "رحبعام بن سليمان" وعاصمتها "أورشليم".
وقد ذكر اليهود حادثة مهمة في زمن "رحبعام" لها دلالتها المؤثرة:
فقد جاء في سفر الملوك الأول: (( وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ جميع خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء، وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان))[33]
فهذا النص فيه دلالة واضحة على أن مللم مصر استباح العاصمة الدينية لليهود وأخذ كل ما فيها، بما ذلك التوراة.
وهذا يدل على أن اليهود فقدوا التوراة في الحادثة، لأن كتابهم المقدس لا يشير إليها بعد هذا إلا في زمن الملك "يوشيا"، أي بعد ما يزيد على ثلاثة قرون من هذه الحادثة.
كما أن التابوت ايضاً ينقطع خبره بعد هذه الحادثة إلى زمن الملك "يوشيا" أيضاً. ثم لا يكون لا ذكر بعد ذلك[34].
7- يزعم اليهود أن الملك"يوشيا" الذي تولى الملك في يهوذا-بعد سليمان عليه السلام 340عاما تقريبا، وقبل غزو بختنصر لدولة اليهود- وجد"سفر الشريعة":
جاء في سفر الملوك الثاني: (( وفي السنة الثامنة عشرة للملك يوشيان أرسل الملك شافان بن أصليا بن مشلام الكاتب إلى بيت الرب قائلاً: اصعد إلى حلقيا الكاهن فيحسب الفضة المدخلة إلى بيت الرب الي جمعها حارسوا الباب من الشعب فيدفعوها ليد عاملي الشغل الموكلين ببيت الرب.... فقال حلقيا الكاهن العظيم لشافان الكاتب: قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب، وسلم حلقيا السفر لشافان فقرأه... وأخبر شافان الملك قائلاً: قد أعطاني حلقيا الكاهن سفراً، وقرأه شافان أمام الملك...))[35]وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا واورشليم، وصعد الملك إلى بيت الرب، وجميع رجال يهوذا وكل سكان أورشليم معه، والكهنة والأنبياء، وكل الشعب، من الصغير إلى الكبير، وقرا في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وُجِد في بيت الرب))[36]
فهذا الخبر الذي ذكره اليهود فيه دلالة واضحة على أنهم كانوا قد فقدوا التوراة، وأنهم أيضاً ضيعوا أحكامها، ونسوا الشيء الكثير منها، وما وجدوه في الواقع ليس فيه دليل على أنه التوراة؟
وليس بعيداً أن يكون الكاهن حلقيا هو من كتب هذا السفر الذي زعم أنه وجده!!
8- بعد الملك "يوشيا" بخمس وعشرين سنة تقريباً وذلك في عام 586ق.م هجم بختنصر الكلداني على دولة يهوذا ودمرها، ودمر الهيكل، وسبى بني إسرائيل.[37]
ويجمع التاب هنا على أن التوراة فقدت من بني غسرائيل مرة أخرى بسبب هذا التدمير الشامل.
9-يزعم اليهود أنَّ عزرا الكاتب أعاد كتابة التوراة من حفظه بعد عودتهم من السبي البابلي وبعد أن : ((هيأ قَلبه لطلَب شرِيعة الرب والعملِ بِها ولِيُعلِّم إسرائيل فَرِيضة وقَضاءً))[38] كما ورد في سفر عزرا.
وقد جمعهم لقراءة ما كتب من شريعة موسى، فقد جاء في سفر نحميا:
((اجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب الماء، وقالوا لعزرا الكاتب: أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إسرائيل، فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء.... وقرأ منها...وكانت آذان كل الشعب نحو سفر الشريعة))[39]
ويظهر من هذا واضحاً أن عزرا قد كتب لهم التوراة، ولم يذكر اليهود كيف كان وصول التوراة إليه، وبينه وبين موسى أكثر من ثمانية قرون؟
وقد فقدت التوراة قبل عزرا عدة مرات كما مر معنا.
فعلى هذا إما أن تكون التوراة التي قرأها عزرا عليهم:
-مفتراة مكذوبة دونها عزرا من محفوظاته، وما وصل إليه من مدونات ومعلومات‘ إذ أن نسبتها إلى موسى عليه السلام يحتاج إلى إسناد متصل، وأنى لليهود هذا الإسناد؟!
-وإما أن تكون معلومات متوارثة في الأحكام الواجب على بني اسرائيل التزامها، فتكون على هذا استنباطات واجتهادات بشرية يعتريها ما يعتري البشر من النقص، وليست كلاماً للرب.
10- ذكر المؤرخون أن أن الحاكم اليوناني (بطليموس الثاني) الذي كان في الفترة من (282-247ق.م) طلب من أليعازار رئيس الكهان أن يرسل إليه 72 عالماً من علماء التوراة لترجمة أسفار موسى الخمسة إلى اليونانية فنفذ الطلب، وكان إليعازار على رأسهم، وتمت المهمة خلال 72 يوماً فكانت الترجمة المعروفة ب(السبعينية) في اللغة اليونانية للأسفار الخمسة، وعنها ترجم اعهد القديم إلى اللاتينية.
وهذه الترجمة تمت بعد وفاة موسى عليه السلام بما يقارب عشرة قرون، وبعد زمن عزرا الكاتب بقرنين من الزمان تقريباً، مما يجعل الكتاب الذي ترجمت عنه التوراة إلى اليونانية لا قيمة له، وكل ما صدر عن هذه الترجمة كذلك.
11- أن اليهود فقدوا المقدرة على فهم اللغة العبرية القديمة بعد اختلاطهم بالأمم وهي لإي اصلها بدون نقط ولا حركات، وهذا يسبب أخطاءً كثيرة في القراءة، فاهتدوا إلى وسيلة لإزالة هذا اللبس بإدخال النقط والحركات والفواصل، واستمر هذا العمل من القرن السابع الميلادي إلى القرن العاشر، فأخرجوا نسخة من التوراة باللغة العبرية، وعنها نُسخت جميع النسخ العبرية، والمترجمة عنها.[40]

المبحث السادس: نقد علماء المسلمين للتوراة:
لقد كان لعلماء المسلمين جهوداً عظيمة وظاهرة في نقد التوراة وبيان تحريفها، يظهر ذلك بجلاء لكل من تتبع تصانيفهم في هذا الشأن، بل إن إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله(ت:310هـ) رحمه الله كان كثير الإشارة إلى ذلك عند تفسيره للآيات التي تتحدث عن اليهود والتوراة في كتاب الله تعالى وقد استفاد ابن حزم من ذلك كثيراً في نقده للتوراة فيما بعد[41].
وقد أشار ابن جرير إلى أن التوراة الموجودة عند اليهود إنما هي من إملاء عزرا الكاتب في عدة مواضع من تفسيره[42]، وقبله ذكر ذلك ابن قتيبة(ت:276هـ) في كتابه "المعارف"[43]،وهذه إشارات مبكرة إلى نوع التحريف الذي لحق بالتوراة.
وقد استمر علماء المسلمين بعد ذلك في التأليف في هذا الباب وغالباً ما تكون هذه التآليف ردوداً على اليهود أو النصارى، وقد سردت في المبحث الرابع عدداً من هؤلاء العلماء الكبار الذين كان لمصنفاتهم تأثير كبير وشهرة عريضة والتي اتسمت بالنقد المباشر للتوراة أو ما يعرف بنقد النص بالإضافة إلى نقد الإسناد، وإلا فباب الرد على اليهود والنصارى قد طرقه علماء كثر على مر العصور،وسأكتفي بذكر نموذج واحد وهو أبرز المصنفين في هذا المجال وأقدمهم تاريخاً، ألا وهو :
الإمام ابن حزم الأندلسي (ت:456هـ):
يعتبر كتابه ( الفصل في الملل والأهواء والنحل ) لابن حزم رحمه الله أول دراسة نقدية لنصوص التوراة فقد درس فيه (الأسفار الخمسة) دراسة وثائقية، وحللها تحليلاً نقدياً، مستخدماً منهج الاستقراء التاريخي الدقيق، الذي استهدف به فحص الظروف العامة والملابسات الخاصة التي احاطت بكتابة هذه الأسفار، وحفظها ونقلها،ثم درس نصوصها دراسة نقدية، فتشكل منهج ابن حزم في :
1. النقد الخارجي أو (نقد السند).
2. النقد الداخلي أو (نقد النص).
وظهر ذلك بوضوح في كتابيه الفصل في الملل والنحل والرد على ابن النغريلة.
ففي نقده لسند التوراة:
بحث ابن حزم الظروف العامة والخاصة التي أحاطت بها، وطريقة حفظها ونقلها، وموقف بني إسرائيل عبر تاريخهم كله منها،ومدى عنايتهم بها، ومن كان يقوم على حفظها من بين اليهود، وأين كانت تحفظ، وهل نسخها منتشرة ذائعة في بني إسرائيل، أم انها كانت محدودة الانتشار، وهل نقلت من جيلٍ إلى جيل نقلاً متواتراً.
وغرض ابن حزمٍ من ذلك كله أن يثبت أن كل الظروف التي مرت بها التوراة كانت مناسبة جداً لأن تحرف وتبدل وتغير.
يقول رحمه الله:" نحن نصف إن شاء الله حال كون التوراة عند بني إسرائيل، من أول دولتهم إثر موت موسى عليه السلام، إلى انقراض دولتهم، إلى رجوعهم إلى بيت المقدس، إلى أن كتبها لهم (عزرا) الوراق، بإجماع من كتبهم، واتفاق من علمائهم، دون خلاف يوجد من أحدٍ منهم في ذلك، وما اختلفوا فيه من ذلك نبهنا عليه ليتيقن كل ذي فهم أنها محرفة مبدلة"[44].
ويخلص ابن حزم من خلال نقده للسند إلى النتائج التالية:
1- أن التوراة لم يكن لها نسخ منتشرة في بني إسرائيل، متاحة لعامتهم وخاصتهم، بل كانت هناك نسخة وحيدة فقط يحفظها لهم الكاهن الأكبر في الهيكل يقول:
"فاعلموا الآن أن التوراة لم تكن -من أول دولتهم إلى انقضائها- إلا عند الهاروني الكوهن الأكبر وحده، في الهيكل فقط"[45]، وهذا الكاهن الأكبر هو المسؤول الوحيد عن حفظ التوراة وهو من أولاد هارون، من سبط لاوي، ولم يكن متاحاً للملوك الاطلاع على نسخة التوراة كاملة، إلا على الأجزاء التي يعطيها لهم الكاهن الأكبر عند بداية ولايتهم.
فهل كان هذا الكاهن الأكبر أميناً على حفظ هذه التوراة التي لم تكن توجد عند غيره؟!
فهذا ما يتعلق بطريقة حفظ التوراة.
2-أن بني إسرائيل قد حصلت منهم الردة عن دينهم عدة مرات بنصوص كتبهم، وهذا بلا شك مؤثر على حفظ التوراة وسلامتها من التغيير والتبديل، وهذه الرِّدات بلغت سبعاً، فارقوا فيها الإيمان وأعلنوا عبادة الأوثان، أقصرها ثلاثة أعوام وأطولها أربعين عاماً، ويعقب على ذلك بقوله:
" فتأملوا أي كتاب يبقى مع تمادي الكفر، ورفض الإيمان هذه المدد الطوال في بلد صغير مقدار ثلاثة أيام في مثلها فقط، ليس على دينهم واتباع كتابهم أحد على ظهر الأرض غيرهم"[46]
فلا شك أن قوماً هذا حالهم لن يحفظوا كتاب نبيهم، ولا يمكنهم ذلك بحال.
3-أن أكثر ملوك بني إسرائيل كانوا على الوثنية والكفر كما تدل على ذلك نصوص توراتهم، وكانوا معاندين للتوراة منسلخين من أحكامها، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الأمر بإحراقها وتمزيقها.
وقد استعرض ابن حزم حال ملوكهم واحداً واحداً من نصوص التوراة وخلص إلى أن "ملوك الأسباط العشرة لم يكن فيهم مؤمن قط، ولا واحد فما فوقه، بل كانوا معلنين عبادة الأوثان، مخيفين للأنبياء، مانعين القصد إلى بيت المقدس، لم يكن فيهم نبي قط إلا مقتولاً أو هارباً أو مخافاً"[47]
وأما ملوك مملكة يهوذا ف"كانوا كفاراً معلنين عبادة الأوثان حاش خمسة منهم فقط كانوا مؤمنين ولا مزيد، فعمهم الكفر وعبادة الأوثان في أولهم وآخرهم، فأي كتاب وأي دين يبقى مع هذا؟!"[48]
وبهذا يتضح لنا أن ابن حزم قد برهن بصورة منهجية قاطعة على أن الظروف كانت مهيأة لتحريف التوراة وتبديلها، بل ولأكثر من ذلك.
وأن نسبتها إلى نبي الله موسى عليه السلام غير صحيحة البتة.[49]

وفي نقده لنص التوراة:
فحص ابن حزم المتن من الداخل فحصاً دقيقاً وبين ما فيه التناقض والاضطراب الذي لا يمكن أن يكون في كتاب موحى من الله تعالى إلى نبي من أنبيائه، وتوصل ابن حزم إلى نتائج كثيرة من ابرزها:
1-ما ورد فيها من نصوص تقطع بأن موسى عليه السلام لا يصح البتة أن يكون هو كاتبها، مثل :((فتوفي موسى عبدالله بذلك الموضع من ارض مؤاب، ولم يعرف آدمي موضع قبره إلى اليوم...))[50]، وقد علق ابن حزم على هذا النص بقوله: "هذا آخر توراتهم وتمامها، وهذا شاهد عدل وبرهان تام ودليل قاطع وحجة صادقة في أن توراتهم مبدلة، وأنها تأريخ مؤلف"[51]
2-ما احتوت عليه الأسفار من أكاذيب وأغاليط بيّنة لا يمكن دفعها ولا تأويلها، وما اشتملت عليه من تطاول على مقام الله تعالى وملائكته ورسله، ونصوص هذا النوع كثيرة جداً، أورد منها ابن حزم كثيرا منها .[52]
3-ضخامة هذه التوراة وطولها بينما توراة موسى عليه السلام لم تكن بهذا الحجم، فقد كانت وجيزة بحيث تُقرأ في مجلس واحد، وأورد النص الذي في سفر التثنية وفيه : ((وقال لهم موسى إذا اجتمعتم للتقديس بين يدي الرب إلهكم في الموضع الذي تخيَّره الرب فاقرأوا ما في هذا المصحف في جماعة بني إسرائيل، عند اجتماعهم فقط، ليسمعوا ما يلزمهم))[53]
بعد كل هذا هذا يخلص ابن حزم إلى التوراة الموجودة لا يمكن أن تكون الكتاب المنزل على موسى عليه السلام، وإنما هي تأريخ مؤلف أُلف بعد موسى بقرون عديدة، وبذلك يكون ابن حزم أول من شكك في نسبة التوراة(الأسفار الخمسة) إلى موسى عليه السلام وليس ابن عزرا كما يزعم اسبينوزا[54].



المبحث السابع:نقد علماء اللاهوت اليهود للتوراة:
كما أنه قد قام عدد من علماء اللاهوت اليهود بنقد العهد القديم وأول من تصدر هذه المهمة منهم:
1-ابراهام بن عزرا(ت:562هـ/1167م):
فقد كان ابن عزرا أول من كتب مبيناً خطأ نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى، فأثبت أن موسى ليس هو مؤلف الأسفار الخمسة بل إن مؤلفها شخص آخر عاش بعده بزمن طويل وأن موسى كتب سفراّ مختلفاً ويذكر للبرهنة على ذلك :
أ/ لم يكتب موسى مقدمة سفر التثنية لأنه لم يعبر نهر الأردن.
ب/ كان سفر موسى مكتوبا على حائط المعبد الذي لم يتجاوز اثنى عشر لوحا، أي أن السفر كان أصغر بكثير مما لدينا الآن.
ج/ قيل في سفر التثنية : (( وكتب موسى هذه التوراة))[55]
ولا يمكن أن يقول موسى ذلك إن كان هو كاتبها.
د/ في سفر التكوين سمي "جبل موريا" جبل الله، ولم يسمى بهذا الإسم إلا بعد بناء المعبد، وهو ما تم بعد عصر موسى.
ه/ في سفر التثنية وضعت بعض الأحداث التي حدثت بعد موت موسى بمدة طويلة.[56]
وقد استفاد ابن عزرا من ابن حزم رحمه الله، خاصة وأنه جاء بعده بقرن من الزمان، كما أنه كان من أهل الأندلس أيضاً.

2-الفيلسوف سبنيوزا (ت:1677م):
أما سبينوزا فيعتبر من أشهر نقاد العهد القديم من اليهود والنصارى وذلك في كتابه(رسالة في اللاهوت والسياسة)، إذ قام بشرح ملاحظات ابن عزرا وأبان أنه فاته ملاحظات أخرى متعددة أكثر خطورة على الأسفار الخمسة ثم قدم أربع ملاحظات جديرة بالتأمل وهي:
1- لا تتحدث الأسفار الخمسة عن موسى بضمير الغائب فحسب، وإنما تعطي عنه شهادات عديدة، لا يصح ألبته أن يكون هو الذي أعطاها عن نفسه، ومن ثم لا يسوغ قطعاً أن يكون هو كاتبها،وهذه الشهادات مثل:
(( وكلم الرب موسى))[57] (( فسخط موسى على وكلاء الجيش))[58]
وعلى العكس من ذلك فإن موسى يتحدث ويقص أفعاله بضمير المتكلم في سفر التثنية التي كتبت فيها الشريعة، التي شرحا موسى للشعب والتي كتبها بنفسه فيقول مثلا:
((كلمني الرب))[59] (( أمرني ربي))[60]
كل ذلك يدعوا إلى الاعتقاد بأن موسى لم يكتب هذه الأسفار بل كتبها شخص آخر.
2- أن هذه الرواية الواردة في الأسفار الحالية لا تقص فقط موت موسى ودفنه، وحزن الأيام الثلاثين للعبرانيين عليه، بل تروي أيضا أنه فاق جميع الأنبياء إذا ما قورن بالأنبياء الذين جاءوا بعده :
(( ولم يقم من بعده نبي في إسرائيل كموسى الذي عرفه الرب وجها لوجه))[61]
هذه شهادة لم يكن من الممكن أن يدلي بها موسى نفسه.
3- أن بعض الأماكن لم تطلق عليها الأسماء التي عرفت بها في زمن موسى، بل أطلق عليها أسماء عرفت بها بعده بوقت طويل، إذ يقال في التوراة إن إبراهيم تابع أعداءه حتى (دان)[62] وهو اسم لم تأخذه المدينة ـ التي تحمله ـ إلا بعد موت يشوع بمده طويله ( ويشوع هو فتى موسى عليه السلام وخليفته) جاء في القضاء:
(( سمو المدينة (دان) باسم دان أبيهم الذي ولد لإسرائيل ، وكان اسم المدينة قبل ذلك لاييش))[63] فكيف يذكر موسى وهو يقص قصة إبراهيم عليه السلام : أنه جد في طلب أعدائه إلى مدينة دان، وهي لم يطلق عليها هذا الاسم إلا بعده بزمن طويل جدا.
4-تمتد روايات التوراة في بعض الأحيان إلى ما بعد موسى، فيروي سفر الخروج أن بني إسرائيل أكلوا المن أربعين سنة حتى وصلو إلى أرض مسكونة على حدود بلاد كنعان[64] أي حتى اللحظة التي يتحدث عنها سفر يشوع.
هذه هي الملاحظات أو البراهين التي أوردها سبنيوزا ومنها يقرر أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة بل كتبها شخص آخر عاش بعده بقرون عديدة.[65]
وجل هذه الملاحظات سبقه إليها ابن حزم رحمه الله في نقده للعهد القديم في كتابه الفصل، وقد لاحظنا أسلوب ابن حزم عند استعراضنا لتاريخ تدوين التوراة في المبحث الخامس.











المراجع:
1-إظهار الحق، رحمة الله الهندي، ت : محمد أحمد ملكاوي، دار الحديث، القاهرة، 1404هـ، ط1.
2-البحر المحيط،أبو حيان الأندلسي، ت: عادل عبدالموجود و علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، 1422هـ،ط1.
3-بحوث في مقارنة الأديان، محمد الشرقاوي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1420هـ.
4-تأثر اليهود بالأديان الوثنية، فتحي محمد الزغبي، دار البشير، طنطا، مصر، 1414هـ، ط1.
5-تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار الحديث للتراث، القاهرة، 1408هـ، ط1.
6-التوراة دراسة وتحليل، محمد شلبي شتيوي، مكتبة الفلاح، الكويت، 1406هـ، ط1.
7-التوراة (ضمن العهد القديم).
8- التوراة واليهود في فكر ابن حزم، إبراهيم الحاردلو، دار جامعة الخرطوم للنشر، السودان، 1984م.
9-جامع البيان في تفسير القرآن، ابن جرير الطبري، دار المعرفة، بيروت، 1412هـ.
10-الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية، ت:علي بن حسن بن ناصر وآخرون، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض،1419هـ،ط2.
11-دائرة المعارف الكتابية، صموئيل حبيب وآخرون، القاهرة ، دار الثقافة، 1977-2001
12-دراسات في الأديان، سعود بن عبدالعزيز الخلف، دار أضواء السلف، الرياض، 1425هـ،ط4.
13-رسالة في اللاهوت والسياسة، سبينوزا، ترجمة: حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2005م، ط1.
14-فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني،ت: عبدالقادر شيبة الحمد،1421هـ دون ذكر مكان الطبع.
15- الفصل في الملل والأهواء والنحل،ابن حزم،ت:محمد نصر و عبدالرحمن عميرة،دار الجيل، بيروت،دون ذكر سنة الطبع.
16-الفكر الديني اليهودي أطواره ومذاهبه، حسن ظاظا، بيروت، 1987م،ط2.
17-الكشاف للزمخشري،منشورات دار الفكر، 1977
18-محاسن التأويل، جمال الدين القاسمي، ت: محمد فؤاد عبدالباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي،1376هـ،ط1.
19-المخططات التلمودية اليهودية الصهيونية،أنور الجندي،دار الاعتصام، دون ذكر سنة الطبع.
20-المدخل إلى العهد القديم(الكتب المقدسة)، القس صموئيل يوسف خليل، دار الثقافة، الإسكندرية، 1993م.
21-المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، محمد علي البار، دار القلم، دمشق، 1410هـ، ط1.
22-منهج نقد النص بين ابن حزم واسبينوزا، محمد الشرقاوي، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1.
23-هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى،ابن القيم، منشورات الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة.
24-هل العهد القديم كلمة الله، منذر السقار، موقع صيد الفوائد(بحث مكتوب بصيغة الوورد).
25-اليهودية: عرض تاريخي، عرفان عبدالحميد فتاح،دار عمار، عمّان، ط1.
[1] - محاسن التأويل(749-750)
[2] - الكشاف(1/253)
[3] - أنظر: المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم (116)
[4] - دراسات في الأديان(74)، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم(111)
[5] -المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم(116)، دراسات في الأديان (75)
[6] -أنظر: قاموس الكتاب المقدس(235، 239 ، 609، 801، 808 ).
[7] -إظهار الحق(1/57)
[8] - انظر: المدخل إلى العهد القديم(39).
[9] - دائرة المعارف الكتابية (1/82).
[10] - أنظر جامع البيان في تفسير القرآن (6/45)، وتفسير القرآن العظيم (2/233).
[11] - أخرجه الدارمي برقم 480، والطبراني في الأوسط برقم 5548، وصححه الألباني في الصحيحة برقم 2832.
[12] - أخرجه البخاري ( 2685 و 7363و 7522 و 7523)
[13] - أنظر: هل العهد القديم كلمة الله- د. منذر السقار- موقع صيد الفوائد(بحث مكتوب بصيغة الوورد)
[14] -البحر المحيط(3/257)
[15] - فتح الباري (13/532)
[16] -(3/36-37)
[17] - الجواب الصحيح(2/394-395) وانظر(3/9)
[18] -نفسه(2/411)
[19] - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى(108)
[20] - أنظر : المدخل لدراسة التوراة ص(117-122)، اليهودية، عرفان فتاح(76-77)،التوراة دراسة وتحليل(74-83)
[21] - المخططات التلمودية اليهودية الصهيونية(19) تأليف أنور الجندي-دار الاعتصام
[22] - أي في صحيح البخاري ويعني رأي الإمام البخاري.
[23] -فتح الباري(13/533)
[24] - المصدر نفسه(13/543)
[25] - الخروج(24/3)
[26] - الخروج(24/12)
[27] - الخروج(31/18)
[28] - الخروج(34/1)
[29] - التثنية(31/9)
[30] - يشوع(8/30)
[31] - أنظر: صموئيل الأول(4/3 وما بعدها)
[32] - الملوك الأول(8/1 وما بعدها)
[33] - الملوك الأول(14/22)
[34] - أنظر: الأخبار الثاني(35/3).
[35] - سفر الملوك الثاني(22/8-13)
[36] - سفر الملوك الثاني(23/102)
[37] - أنظر في خبر ذلك سفر أخبار الأيام الثاني (36/17-20)
[38] - عزرا(7/10)
[39] -نحميا(8/1-3)
[40] - دراسات في الأديان(اليهودية والنصرانية)(78-90) بتصرف، وانظر: الفصل في الملل والنحل(1/287-300)، المدخل لدراسة التوراة(164-175)
[41] -التوراة واليهود في فكر ابن حزم(139)
[42] - أنظر (5/440)و(14/203،204)و(17/379)
[43] - ص(60)
[44] - الفصل في الملل والنحل(1/278)
[45] - المرجع السابق(1/294)
[46] - نفسه(1/290)
[47] -الفصل(1/294)
[48] - نفسه(1/298)
[49] - أنظر منهج نقد النص بين ابن حزم واسبينوزا(19-37)
[50] - التثنية 43(5- إلى آخره)
[51] - الفصل(1/284-285)
[52] - نفسه(200-285)
[53] - نفسه(1/300)
[54] - أنظر: منهج نقد النص بين ابن حزم واسبينوزا(41-49)
[55]- التثنية 31/9.
[56]- انظر: تأثر اليهودية بالأديان الوثنية (330-331)
[57]- العدد 8/ 23.
[58]- العدد 31/14.
[59]- التثنية 2/17.
[60]- التثنية 2/1
[61]- التثنية 34/10.
[62]- التكوين 14/14.
[63]- القضاء (18/29).
[64]- الخروج (16/35).
[65]- انظر:بحوث في مقارنة الأديان(175ـ 178).و ورسالة في اللاهوت والسياسة (241-326)منهج نقد النص بين ابن حزم واسبينوزا(41-67)

السبت، 31 أكتوبر 2009

مجلس الكنائس العالمي

مجلـس الكنائـس العـالمي
نظامه ودوره في التنصير

إعداد:عبد العزيز بن غويزي الشاطري
Alshatri99@gmail.com

تمهيد:
لمجلس الكنائس العالمي دور كبير في رعاية التنصير في العالم الإسلامي ، وله جهود واضحة في لمّ الشتات البروتستانتي والأرثوذكسي وتوحيد جهود المنصرين من هاتين الطائفتين وتنسيق العمل بينهما ، ونظراً لندرة المعلومات حول المجلس ونظامه ودوره في التنصير باللغة العربية كتبت هذه الورقات آملاً من المولى عز وجل أن تكون نافعة ومفيدة للباحثين والمهتمين .
التعريف :
مجلس الكنائس العالمي هو تجمع نصراني عالمي تنصيري يضم معظم الكنائس البروتستانتية والأرثوذكسية ،وغيرها من الكنائس المتّحدة المستقلة التي لا تؤمن بسلطة بابا الفاتيكان الكاثوليكية.
[1]
ويرمز له ب WCC
المقر: جنيف-سويسرا، وللمجلس فروع في الكثير من الدول حيث تعد كينيا من أبرز مراكز المجلس بعد المقر الرئيسي.
[2]
عدد الكنائس المنضوية: أكثر من 340 كنيسة منتشرة في أكثر من 120 بلد.
عدد الأفراد المنتمين للمجلس عقائدياً: حوالي 550 مليون.
[3]
سنة التأسيس:1948 وتأسس المجلس في أمستردام بهولندا.
المؤسسون: كنائس أوروبية و الأمريكية الشمالية غالبها بروتستانتية وهي التي شكّلت نواته الرئيسية عند التأسيس ثم توسع فيما بعد.
الأمين العام الحالي:صاموئيل كوبيا من الكنيسة الميثودية من كينيا وقد تولى المنصب منذ عام 2004 ولا يزال.
تركيبة المجلس :
من المعلوم أن الكنائس التي تشكّل المجلس, تعيش في بيئات مختلفة وتنتمي إلى دول ومستويات اجتماعية و ثقافية و اقتصادية و سياسية مختلفة. هذا التنوع جعل المجلس يفرض نظاماً صارماً على الكنائس المنضوية إليه ويلزمها كما ينص نظامه بالمساءلة المتبادلة التي تتّخذ أشكالا عديدة منها:
1- التضامن ومساعدة الكنائس لبعضها عند الحاجة.
2- الامتناع عن القيام بأعمال تتناقض مع العلاقات بين أعضاء الكنائس.
3- تبادل الخبرات من اجل الاستفادة و التعلم المتبادل.
4- العضوية في الكنيسة تتجاوز الكنيسة الفردية الواحدة القائمة بحد ذاتها.
و على الرغم من أن الخلافات و التوترات و الصعوبات التاريخية قد تستمر بين الكنائس, لكن الكنائس الأعضاء في مجلس الكنائس العالمي ملتزمة بعدم إظهار ذلك.
و تحكم المجلس لجنة عامة مؤلفة من 158 عضوا في اللجنة المركزية بالإضافة إلى 25 عضواً في اللجنة التنفيذية الخاصة التي تمثّل الأعضاء
[4].
الواجبات المشتركة المطلوب تنفيذها من الكنائس المنضوية تحت المجلس:
1- تحقيق الهدف بالوحدة الإيمانية و الأخوية.
2- تعزيز العمل المشترك في العمليات التبشيرية.
3- الانخراط في تقديم الخدمات المسيحية عبر دعم الحاجات الإنسانية.
4- تعزيز الوحدة و التجديد في العبادة, التبشير و الخدمات.
[5]
طريقة عمل المجلس:
للمجلس لجان متعددة ينفذ من خلالها ما يلتزم به من مهام ومشاريع وهي:
· لجنة الكنائس المعنية بالتنمية.
· لجنة تشكيل التربية و التعليم.
· لجنة الكنائس المعنية بالشؤون الدولية.
· لجنة العدالة.
· لجنة المهام العالمية و البعثات (التبشيرية).
· لجنة الإيمان و النظام.
· المجلس الاستشاري المشترك.
· مجموعة العمل المشتركة بين المجلس العالمي للكنائس و الكنيسة الكاثوليكية "الفاتيكان".
· المجموعة المرجعية بشان مشروع التغلب على العنف.
· المجموعة المرجعية بشان العلاقة بين الأديان.
· اللجنة الخاصة بالمشاركة الأرثوذوكسية في مجلس الكنائس العالمي.
وسنعرض بالتوضيح لعمل ابرز لجان المجلس وأكثرها أهمية لأخذ تصور أوضح عن طريقة العمل فيه:
1- لجان التنمية : يعمل مجلس الكنائس العالمي في هذا الإطار من خلال الكنائس الأعضاء في المجلس و من خلال المنظمات و الهيئات الدينية و الاجتماعية لتنسيق الأعمال (التبشيرية) و الاجتماعية.
و تشمل البرامج الحالية للمجلس العالمي للكنائس في هذا الإطار مشروعاً للتغلب على العنف, حملة عالمية لمكافحة مرض نقص المناعة المكتسبة /الايدز خاصة في إفريقيا.
2- لجنة الإيمان والنظام: تضم اللجنة 120 عضوا بما في ذلك ممثلوا الكنائس غير الأعضاء في المجلس العالمي للكنائس و من بينها الكنيسة الكاثوليكية حيث يمثلها 12 عضواً في هذه اللجنة.
وتعلن لجنة الإيمان والنظام التابعة لمجلس الكنائس العالمي أنها حققت العديد من الانجازات منها:
تحقيق التوافق في الآراء بشأن عدد من المواضيع الدينية والكنسية من بينها, المعمودية, تاريخ الفصح, طبيعة وهدف الكنيسة،ونتيجة لذلك فإن بعض الكنائس غيرت الممارسات الطقوسيه ، وبعضهم دخل في مناقشات ، الأمر الذي أدى بدوره إلى مزيد من الاتفاقات والخطوات نحو الوحدة.
3- لجنة العدالة والسلام:
وتعمل هذه اللجنة من أجل:
· غرس قيم العدالة والسلام في علاقات الناس بعضهم ببعض!!
· تعزيز القيم والممارسات التي تجعل لثقافة السلام معنى!!
· العمل من اجل ثقافة التضامن مع الشباب والنساء و مع الناس المقموعين بسبب أعراقهم أو أديانهم.
· التركيز على قضايا العولمة وانبعاث الحركات الاجتماعية الجديدة ويزعم مجلس الكنائس أنه بذل جهداً كبيراً في مقاومة العولمة.
· بالإضافة إلى الاهتمام بالقضايا التالية:
§ الاقتصاد.
§ السلام.
§ المعوقون.
§ العنصرية.
§ المرأة.
§ الشباب.

4- اللجنة الخاصة بالمشاركة الأرثوذوكسية: و قد أنشئت هذه اللجنة الخاصة من قبل الجمعية العامة الثامنة في هراري في كانون الأول / ديسمبر 1998 و ذلك لمعالجة المخاوف الأرثوذكسية فيما بتعلق بعضوية المجلس العالمي للكنائس
[6] ، والتصريحات العلنية ، والعبادة و الممارسات وقضايا أخرى.
و تمثل اللجنة إطارا حيويا للحوار و النقاش بشان مستقبل المجلس العالمي و الحفاظ على الأسس التي قام عليها.
[7]
الأمانة العامة لمجلس الكنائس:
ينتخب المجلس في كل دورة من دوراته التي تستمر 7 سنوات أميناً عاماً ،ويقوم بهذا الدور حالياً صاموئيل كوبيا من الكنيسة الميثودية من كينيا وقد تولى المنصب منذ عام 2004م ولا يزال .
مصادر تمويل المجلس:
يتم تمويل أعمال و نشاطات مجلس الكنائس العالمي من خلال تبرعات و مساهمات الكنائس الأعضاء و من خلال الأموال الواردة من المنظمات الكنسية و المؤسسات و الأفراد. و للمجلس أيضا دخل ثابت من خلال أموال الاستثمارات و إيجارات المكاتب في المركز الرئيسي في جنيف ومن رسوم الدورات الدراسية في المعهد المسكوني و من خلال بيع منشورات مجلس الكنائس العالمي.
[8]
أهداف مجلس الكنائس:
1- توحيد الصف المسيحي وهو الهدف الأساسي لإنشاء المجلس حيث نص المؤسسون على: "العمل على أساس توحيد الإيمان و العمل والتحرك"
[9]
2- توحيد الكنائس الشرقية الأرثوذكسية والكنائس البروتستانتية التي لا تؤمن بسلطة بابا الفاتيكان الكاثوليكية.
3- تقوية الروابط بين الكنائس المختلفة و المتنوعة و تكريس التفاهم فيما بينها.
4-توحيد عمليات تنصير العالم بين مختلف الكنائس، وخاصة الكنيسة الإنجيلية و الكاثوليكية الرومية.
5- تنمية الإيمان المسيحي.
6-توصيل الإنجيل للعالم أجمع.
7-الإشراف على التبشير في المناطق الخاضعة للمجلس.
[10]
8-تنظيم العلاقات بين الكنائس المنضوية تحته .
9- القيام بالدراسات الكنسية.
10-تقديم المعونات الإنسانية للاجئين على اختلاف أديانهم!!
[11]
11- التوسع في الحوار مع الأديان المخالفة لفتح الأبواب للتبشير بالنصرانية . [12]
ويدّعي المجلس وفقا لما يذكره موقعه الالكتروني أنه حقق العديد من الانجازات خلال الخمسين سنة الماضية منها:
1- إنشاء علاقة ودية و تعاونية مع الكنيسة الكاثوليكية على الرغم من أنها ليست عضوا في المجلس.
2- تقوية الروابط بين الكنائس المختلفة و المتنوعة و تكريس التفاهم فيما بينها.
3- دعم مجلس الكنائس المشاركة في الكفاح من اجل العدالة و السلام ونبذ العنصرية لا سيما في جنوب أفريقا. دعم الجهود الرامية إلى إنهاء عقدين من الصراعات الأهلية في السودان, إعادة توحيد كوريا الشمالية و الجنوبية, الدفاع عن حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية ضد الديكتاتوريات هناك.
4- الاعتراف بأهمية حوار الأديان و العلاقات مع الأديان الأخرى.
[13]
5- تحقيق التفاهم المتبادل من خلال الإيمان و الأنشطة ذات الصلة بمواضيع مختلف عليها سابقا بين المسيحيين.
6- تسهيل و دعم الحوار الكنسي المحلي والوطني والإقليمي و دعم الجمعيات و الكنائس و الطوائف حتى الغير منضوية إليه و ذلك عبر الحوار و التعاون.
[14]
العلاقة بين المجلس والفاتيكان:
لا شك أن الفاتيكان ليس عضواً في المجلس لكنه يتعامل معه بمرونة واضحة فقد عمل مع المجلس بشكل وثيق و مقرّب لأكثر من ثلاث عقود, كما أرسل العديد من المراقبين و المشاركين في جميع الاجتماعات و المؤتمرات الرئيسية لمجلس الكنائس العالمي و كذلك في اجتماعات لجنته المركزية و المجالس الأخرى.
بل إن له تمثيلاً ثابتاً في مجلس الكنائس يتكون من12 فردا وهم أعضاء كاملي العضوية في لجنة الإيمان والنظام التابعة لمجلس الكنائس العالمي.
مجلس الكنائس والسياسة:
مع إقرار الكنيسة بفصل الدين عن السياسة داخل أوروبا، فإن مجلس الكنائس العالمي يقرر في مؤتمر سالونيك باليونان عام 1956م: "أن السياسة هي المجال الذي يتحتم على الكنيسة في دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أن تعمل فيه، وأن على الكنائس أن تراقب خطط التنمية في تلك الدول لتميز بين ما يتفق مع إرادة الله – الزراعة والفلاحة فقط – وبين عمل الشيطان – الصناعة والتقدم العلمي – لتعلن للقوم أين يقف الله، ومن أين يطل الشيطان"، ويقرر في مؤتمر نيودلهي عام 1961م: "إن على الكنيسة أن تكون متأهبة للصراع مع الدولة في أي وضع وتحت أي نظام سياسي" وما ذلك إلا لتسخير تلك الشعوب ومقدراتها، وضمان تبعيتها باستمرار للمستعمر الغربي؛ حيث تشيع بينهم أن التقدم الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة سيأتي دائماً معه بكثرة الخطايا والشرور.
[15]
ولعلنا نورد نشاط المجلس في السودان كمثال خاص على ممارساته السياسية:
v فقد تم التنسيق بين مجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس في عموم أفريقيا منذ 1971م في ما يتعلق بقضية جنوب السودان.
v في فبراير/ شباط 1972 تم تحت رعاية الهيئتين اتفاق أديس أبابا بين المتمردين وحكومة الخرطوم.
v في عام 1990 أعلن المجلس ضرورة توزيع ريع الناتج النفطي بصورة عادلة بين الأطراف السودانية.
v عام 1994م تأسس المجلس الكنسي الخاص بالسودان ، ويعد هذا المجلس عضواً في مجلس الكنائس العالمي.
v عام 1992 أصدر مجلس الكنائس العالمي مذكرة عن السودان يعلن فيها اهتمامه البالغ بكل الجنوب والغرب.
v وفي سبتمبر/ أيلول 1997 أصدر المجلس إعلانه حول السودان المتعلق بتشجيعه للتوحد بين مجلس الكنائس السوداني (كنائس الشمال والجنوب).
v وفي بداية يوليو/ تموز 2002 زار كونارد رايزر الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي السودان في جولة ضمت عددا من دول القرن الأفريقي.
[16]
v أيضاً نجد أن مجلس الكنائس العالمي يشارك في قضية تسخين دارفور، بل يدعم وبشكل خفي عملية المطالبة بالانفصال للوصول إلى عملية إنجاح الحملة التنصيرية هناك.[17]
بل إن المجلس أقر في اجتماعه المنعقد بجنيف سنة 1974 أن "حق اليهود في كل فلسطين مسألة يسندها الكتاب المقدس"[18] ،وفي ذلك الاجتماع دعا المجلس إلى الاعتراف بالصلة التوراتية التي تربط بين الشعب اليهودي وبين أرضه الموعودة ، وكذلك بالبعد التوراتي والنبوئي لدولة (( إسرائيل )) [19].
مجلس الكنائس ومحاولات التقريب بين الأديان:
والذي يعنينا هنا ما يتعلق بالإسلام فمحاولات تكاد تنحصر في عقد المؤتمرات المتتابعة في مناطق عدة من العالم،وقد أنشأ لهذا الغرض وحدة فرعية تحمل اسم:"لجنة الحوار مع أصحاب العقائد والمثل الحية" عام 1969م ،وقد بلغ عدد المؤتمرات التي تبنى المجلس الدعوة إليها ، أو كان شريكاً أساسياً في ذلك 20 مؤتمراً وندوتان حتى عام 1992م كان أكثرها في عقد السبعينيات الميلادية وقد جرب في مؤتمراته وحواراته كل شيء :
o الحوار في مسائل الاعتقاد.
o الحوار في حضور الصلوات لدى الطرف الآخر.
o المشاركة في الأنشطة الاجتماعية.
o النقاش في الممارسات (التنصيرية).
بيد أنه أدرك أنه أمام دين لا يمكن اختراقه أو احتواؤه فاقلع عن الحديث في الحوار الذي طبع معظم لقاءات السبعينيات.
ويلاحظ على محاولات المجلس الحوارية أنه ينأى عن الجهات الحكومية ،والهيئات الرسمية ،ويختار محاوريه من الجانب الإسلامي بصفتهم الشخصية .
أما في الفترة الحالية فإن المجلس لا يطرح الحوار كخيار وإنما اتجه إلى إثارة موضوعات محددة من جنس : الدين والمجتمع والتعددية ، الدين والدولة، الدين والتربية، التعايش.
[20]
مجلس الكنائس والتنصير:
لمجلس الكنائس العالمي جهد كبير وواضح للمتابعين في الدعم والتوجيه والإشراف على الكثير من الأنشطة التنصيرية في جميع أنحاء العالم ، ولا شك أن ذلك جزء من صميم عمل المجلس كما ظهر لنا في أهدافه ،ويسعى المجلس إلى توفير مصادر تمويل ثابتة من مختلف الحكومات والمؤسسات في الدول الغربية وعن طريق المشروعات الاقتصادية والأراضي الزراعية والأرصدة في البنوك للحركات التنصيرية كما يقوم بتنظيم حملات لجمع التبرعات من حين لآخر ، ويشرف المجلس على مراكز للبحوث والتخطيط يعمل بها نخبة منتقاة من الباحثين للقيام بدراسات وأبحاث تخدم الأهداف التنصيرية.
[21]
وفي المؤتمر السادس لمجلس الكنائس العالمي الذي عقد في يوليو سنة 1980م في كاليفورنيا بالولايات المتحدة حث المؤتمر على ضرورة زيادة البعثات التنصيرية بين مسلمي الشرق الأوسط خاصة في دول الخليج العربي.[22]
وقد تحدث تقرير عرضه موقع "المصريون" نقلا عن مجلة "العالم الإسلامي" الإيرانية, عن أن مجلس الكنائس العالمي رصد في مؤتمره الذي عقد في نوفمبر من العام 2006 حوالي 25 مليار دولار لتنصير المسلمين في مختلف أنحاء العالم، ووضع في أولوية اهتماماته دول مناطق الصراع والدول الفقيرة.
وقالت المجلة التي تصدر بالإنجليزية والفارسية والألمانية إن العراق وفلسطين والسودان ومصر والصومال والهند وأفغانستان من بين الدول التي تتصدر اهتمامات المجلس. وأكدت أن ميزانية مجلس الكنائس العالمي لهذا الغرض في العام الماضي كانت 19 مليار دولار.
وتحدث التقرير عن تفاصيل ما يحدث من عمليات تنصير في العراق وأفغانستان والهند عبر إغراءات لمجلس الكنائس العالمي والمبشرين، كما تحدث عن وجود عمليات تنصير بمصر رصد لها مجمع الكنائس العالمي ميزانية خاصة تقدر بحوالي مليار دولار.
[23]
كما يشير تقرير أورده الموقع ولم ينسبه إلى أن المجلس عقد أكبر مؤتمر عالمي للتبشير، من 9 إلى 16 مايو 2005 باليونان لتوحيد عمليات تنصير العالم بين مختلف الكنائس، و خاصة الكنيسة الإنجيلية و الكاثوليكية الرومية.
ومن أهم القرارات الصادرة عن ذلك المؤتمر:
· تفادى أية صراعات أو منافسة بين الكنائس المختلفة أثناء عمليات التبشير.
· الإصرار على أن " رسالة الله" التى تفرضها الكنائس موجهة لكافة البشر.
· أنه يقع على الكنيسة توجيه الناس إلى التوبة ليدخلوا حياة جديدة (بيسوع المسيح).
· إن الكنيسة بأسرها مطالبة بتوصيل الإنجيل للعالم أجمع .
· أنه لابد من غرس كنائس المسيح فى الثقافات المحلية لتسهيل تنمية الإيمان (المسيحي) .
· دراسة كيفية التغلب على الوجود المتزايد للديانات الأخرى، و خاصة الإسلام، في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية فهو يمثل تحديا حقيقيا لنشاطات (المبشرين).
[24]
وقد شارك مجلس الكنائس العالمي بفاعلية في مؤتمر كلورادو 1987م التنصيري ، وردعلى من استشكل عليه سعي المجلس لدعم التنصير مع ما يزعمه من فتح لأبواب الحوار "أن الاشتراك في الحوار لا يعني على الإطلاق وقف المرامي التنصيرية"!![25]
ومن المناسب أن أختم هذا المبحث بشهادة من منصر سابق تابع للمجلس:
فقد كشف أمين عام مجلس الكنائس العالمي لوسط وشرق إفريقيا سابقاً " آشوك كولن يانق" بعد إسلامه أبعاد المخطط الذي تتبعه الآلاف من المنظمات الغربية الكنسية في تنصير المسلمين عبر وسائل وأساليب متعددة منها الغطاء الإنساني، وسلاح المعونات، وممارسة الضغوط على الحكومات العربية والإسلامية حتى تستجيب للمطالب الغربية.
أكد "أشوك" أنه شارك في مؤتمر سري عقد في ولاية تكساس الأمريكية لدراسة أوضاع كل دولة إسلامية على حدة، واتخاذ الإجراءات المناسبة من أجل تنصير أبنائها أو إبعادهم عن دينهم.
وأفاد بأن مجلس الكنائس العالمي يرعى الآلاف من الكنائس، والسودان وحده يعمل فيه أكثر من 500 منظمة كنسية.
[26]


المراجع:
1- الموسوعة العربية العالمية-الطبعة الأولى-1416هـ.
2- الموسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب والأحزاب المعاصرة (النسخة الالكترونية).
3-القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى –د/سفر الحوالي (نسخة الكترونية)
4- دعوة التقريب بين الأديان-أحمد القاضي-دار ابن الجوزي-الطبعة الأولى 1422هـ
5- النصرانية من التوحيد إلى التثليث-محمد الحاج-دار القلم -دمشق
6- النصرانية في الميزان-محمد الطهطاوي-دار القلم-دمشق-الطبعة الأولى-1416هـ
7- http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي.
8-
http://en.wikipedia.org. موسوعة ويكيبيديا
9-
www.islamwebs.com الشبكة الإسلامية.
10-
http://www.almesryoon.com موقع المصريون.
11-
http://www.aljazeera.net موقع قناة الجزيرة.
12-
http://www.azzaman.com جريدة الزمان
13-http://www.almokhtsar.com موقع المختصر
14-
www.altareekh.com http://موقع التاريخ







[1] - http://www.aljazeera.net/NR/exeres/3D289FF3-3011-48A6-AF78-FBDEC3603168.htm إعداد: سيدي أحمد بن أحمد سالم.
وانظر أيضاً :
http://en.wikipedia.org/wiki/World_Council_of_Churches و http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي
وانظر أيضا: الموسوعة العربية العالمية(22/287)
[2] -www.altareekh.com/doc/topics.php?op=viewtopic&topic=31
[3] - http://en.wikipedia.org/wiki/World_Council_of_Churches
[4] - http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي.
[5] - http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي
[6] -سبب خشية الأرثوذكس هو أن السيطرة الفعلية على المجلس للكنائس البروتستانتية وهي الأكثر عدداً والأقدر مادياً والأقوى دولاً ويخشى الأرثوذكس من الذوبان لوجود اختلاف عقدي أصلي بينهم وبين البروتستانت.
[7] - أنظر: http://en.wikipedia.org/wiki/World_Council_of_Churches
[8] - http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي.
[9] - مصدر النص: http://en.wikipedia.org/wiki/World_Council_of_Churches
[10] - http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي
[11] - http://www.aljazeera.net/NR/exeres/3D289FF3-3011-48A6-AF78-FBDEC3603168.htmإعداد: سيدي أحمد بن أحمد سالم
[12] -http//www.silcom.com/~origin/sbcr/sbcr261
وأنظر أيضاً: دعوة التقريب يبن الأديان للقاضي(1140)
[13] - http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي
[14] - http://en.wikipedia.org/wiki/World_Council_of_Churches
[15] - الموسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب و الأحزاب المعاصرة (النسخة الالكترونية)ص(611)
[16] - http://www.aljazeera.net/NR/exeres/3D289FF3-3011-48A6-AF78-FBDEC3603168.htmإعداد: سيدي أحمد بن أحمد سالم
[17] -http://www.azzaman.com/azz/articles/2004/10/10-27/779.htm
[18] - membres.lycos.fr/abedjabri/n05_07sghyer.htm مقال لعبدالمجيد الصغير
[19] -القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى –د/سفر الحوالي (نسخة الكترونية)
[20] -دعوة التقريب بين الأديان-أحمد القاضي (1140-1173)
[21] - http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي( بتصرف)
[22] - الموسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب والأحزاب المعاصرة (النسخة الالكترونية)ص(690)
[23] - http://www.almesryoon.com/ShowDetails.asp?NewID=28101
[24] - http://www.wcc-coe.org/ الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي
[25] - membres.lycos.fr/abedjabri/n05_07sghyer.htm مقال لعبدالمجيد الصغير
[26] - http://www.almokhtsar.com/html/news/1503/30/69916.php

الأصولية الإنجيلية المعاصرة

الأصولية الإنجيلية المعاصرة
تعريفها- نشأتها - أبرز عقائدها

إعداد: عبدالعزيز بن غويزي الشاطري
بسم الله الرحمن الرحيم
المقـدمة:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.... وبعد
فإن الحركة الأصولية الإنجيلية من الحركات الفاعلة في الواقع المعاصر، والمرتبطة بطائفة من أكبر الطوائف النصرانية وهي (البروتستانت)، ولأفكارها وعقائدها حضور كبير في المشهد السياسي الأمريكي المعاصر بالذات، وهي ذراع داعم لبقاء إسرائيل في أرض فلسطين، لتقاطع المصالح بين ما تعتقده هذه الحركة فيما يتعلق بالمجيء الثاني للمسيح عليه السلام إلى أرض فلسطين، وما يسعى إليه اليهود من احتلال لهذه الأرض المباركة بحجة الأحقية والأسبقية-وهي حجة داحضة-، وتحقيق النبوءات التوراتية.
وقد بدأ التحالف بين اليهود والنصارى لتحقيق هذه الوعود مع ظهور طائفة البروتستانت في القرن السادس عشر، ومع تصاعد مدها في ما تلا ذلك من عقود، إلى توج هذا الحلف المشؤوم بوعد بلفور المعروف.
وسيكون هذا البحث المختصر حول هذه الحركة الأصولية الإنجيلية من خلال النقاط التالية:
المبحث الأول:تعريف الأصولية الإنجيلية.
المبحث الثاني:نشأة الأصولية الإنجيلية.
المبحث الثالث:أبرز عقائد الأصولية الإنجيلية :
1-العصمة الحرفية للكتاب المقدس.
2- ضرورة رجوع اليهود إلى فلسطين وأحقيتهم فيها، وقيام دولتهم.
3-ضرورة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى.
4-المجيء الثاني للمسيح عليه السلام.
أسأل الله تعالى أن يوفقني وأن يسددني وأن يرشدني وكل قارئ لهذا البحث ومطلع عليه إلى كل خير وهدى.
والحمد لله رب العالمين.

المبحث الأول:تعريف الأصولية الإنجيلية:

يعرف د يوسف الحسن الأصولية الإنجيلية بأنها: "تطلق على الاتجاهات الدينية المتشددة في مسائل العقيدة والأخلاق، والمؤمنة بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس، سواءً العهد القديم أو الجديد، والمقتنعة بأنه يتضمن توجيهات لمجمل الحياة، بما في ذلك الشؤون السياسية، وبخاصة النبؤات التي تشير إلى أحداث مستقبلية، تقود إلى "استعادة إسرائيل، والعودة الثانية للمسيح""[1].
وفي قاموس المورد جاء تعريفها كالتالي: " الأصولية(fundamentalism ) (مذهب العصمة الفردية)، وهي حركة عرفتها البروتستانتية في القرن العشرين تؤكد على أن الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) معصوم عن الخطأ لا في قضايا العقيدة فحسب، بل في كل ما يتعلق بالتاريخ، ومسائل الغيب، كقصة الخلق، وولادة المسيح من مريم العذراء، ومجيئه ثانية إلى العالم، والحشر الجسدي"
[2]
ويجمل تعريفها صالح الهذلول بقوله:
هي حركة مسيحية، تنصيرية، متشددة، تدعو إلى العصمة الحرفية للكتاب المقدس، والعودة الحقيقية للمسيح، وقيام الحكم الألفي.
[3]
ومصطلح الأصولية الإنجيلية لم يستخدم كمصطلح ديني يشير إلى مذهب العصمة الحرفية إلا في القرن العشرين، بينما أطلق هذا الوصف على الحركة الإصلاحية التي تزعمها مارتن لوثر في القرن السابع عشر، ومن الباحثين من يرى أن أول من نادى بهذا المصطلح رئيس تحرير مجلة أمريكية تُدعى نيويورك عام 1920م
[4].



المبحـث الثاني:نشأة الأصـولية الإنجـيلية:

عندما نريد الحديث عن تأريخ الأصولية الإنجيلية وظروف نشأتها فلا بد أن يجرنا الحديث إلى الأصل الذي خرجت من رحمه هذه العقيدة ألا وهي الطائفة البروتستانتية، وهي إحدى الطوائف النصرانية، وقد انشقت عن الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر الميلادي وقد مر بنا التعريف بها عند عرض فرق النصارى.
وما يعنينا هنا هو الرابط بين الأصولية الإنجيلية وطائفة البروتستانت إذا الأولى منبثقة من الثانية بل إن لفظ (الإنجيليين) يطلق أحياناً على هذه الطائفة كاملة.
ومن أهم ما يتميز به أتباع هذه الطائفة(البروتستانت) عن غيرهم من طوائف النصارى اعتقادهم:
1-أن صكوك الغفران دجل وكذب وأن الخطايا والذنوب لا تُغفر إلا بالندم والتوبة.
2-أن لكل أحدٍ الحق في فهم الإنجيل وقراءته، وليس ذلك وقفاً على الكنيسة.
3-تحريم الصور والتماثيل في الكنائس لأنها مظهرٌ من مظاهر الوثنية.
4-منع الرهبنة.
5-أن الكتاب المقدس هو المصدر والوحيد للنصرانية.
6- يجوز لكل مسيحي أن يدرس الكتاب المقدس ويفهم معانية بعد الحصول على القواعد الأساسية لمعرفة الكتاب المقدس، ولذلك تمت ترجمته باللغة الألمانية ليقرأه كل ألماني.
7- عدم الصلاة بلغة غير مفهومة كما كانت تصنع الكنيستين القبطية والكاثوليكية.
8-أن العشاء الرباني إنما هو تذكار لما حل بالمسيح من الصلب- في زعمهم- وأنكروا أن يتحول الخبز والخمر إلى لحم ودم المسيح عليه السلام.
9-ليس لكنائسهم رئيس عام يتبعون قوله كما عند الكاثوليك مثلاً.[5]
غير أن هذه الفرقة لا تختلف عن غيرها في عقيدة التثليث، وألوهية المسيح، وبنوته، وصلبه، وقيامه، وتكفيره عن خطيئة البشر الأزلية التي ارتكبها آدم.
[6]
وقد نشأت هذه الطائفة مواكبة للتيار العقلاني الصاعد في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ولذلك اكتسحت المجتمعات الأوروبية-لرفضها سلطة الكنيسة، وقيامها ببعض الإصلاحات التي تعد تحريكاً للجمود الطويل في الديانة النصرانية-وكثر أتباعها، فضلاً عن أمريكا التي أصبحت مركزها الرئيسي فيما بعد.
والأصولية الإنجيلية استفادت من حركة مارتن لوثر الإصلاحية، بل إن بعض الباحثين يشير إلى أن الحركتين نشأتا بواعز يهودي، لصرف الأنظار عن التفسير الكنسي للنص بما يحمله من طابع رمزي، أو مجازي، إلى التفسير الحرفي له، وايضاً الاهتمام بالنبوءات التوراتية حول عودة اليهود إلى فلسطين.
أي أن اليهود قد ساعدوا وهيأوا المسرح لمارتن لوثر، لكي يخرج عن إجماع الكنيسة في استئثار رجالها بالتفسير لنصوص الدين، خاصة وأنه لم تكن قد تبلورت في أذهانهم فكرة عودة اليهود، وكانوا يُفسرونها على أنها حدثت في عهود مضت.
ويدعم هذا الرأي اهتمام لوثر بمسألة عودة اليهود لأرض الميعاد، وتعاطفه معهم في ذلك، وميوله لدراسة اللغة العبرية، وتفضيله"المبادئ اليهودية البسيطة" على تعقيدات اللاهوت الكاثوليكي، وتأليفه لكتاب"عيسى ولد يهودياً"، حتى وصمه البابوات بأنه يهودي.
[7]
والعلاقة بين البروتستانت واليهود واضحة جداً يقول الدكتور سفر الحوالي في كتابه القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى: "ابتهج اليهود بهذه الحركة ووجدوا فيها متنفساً لهم وفرصة للانتقام من البابا وأتباعه، وضرب النصارى بعضهم ببعض؛ فسخروا مكرهم ودهاءهم وأموالهم لنشرها، وهكذا بدأت العلاقة بين اليهود والنصارى تتحسن بالتدريج وبدأ هؤلاء النصارى يؤمنون بأن أرض
فلسطين هي الأرض الموعودة لليهود، وأن الواجب الديني يقتضي تحقيق هذا الوعد.
وأخذ اليهود في نشر هذه المبادئ بين سائر طوائف النصارى، وشهد القرنان الماضيان من الحروب الطائفية في
أوروبا ما لا نظير له في التاريخ، واكتشفت أمريكا في وقت كانت الحرب على البروتستانت من قبل الكاثوليك كبيرة وعنيفة مما اضطر البروتستانت إلى الهجرة إلى العالم الجديد، فأخذوا يتدفقون نحوها وإلى الآن لا يزالون هم أكثر سكان أمريكا .
وقد خرجوا من
أوروبا بروح التدين التوراتي، فلما دخلوا أمريكا تفاءلوا بأن هذا خروج كخروج بني إسرائيل ودخولهم إلى الأرض المقدسة، وأخذوا يسمون المدن والمناطق في أمريكا بأسماء من التوراة، واعتقدوا أن هذه الأرض البكر بشرى بشرهم اللّه بها في الدنيا، وتأسس المجتمع الأمريكي على أساس بروتستانتي توراتي"[8]
والدكتور سفر يرى في كتابه هذا بأن الصهيونية البروتستانية ظهرت ونشأت قبل الصهيونية اليهودية ويستدل لذلك بما يأتي:

"1- أن أحد أبرز رجال هذه الحركة في
أمريكا هو: بلاكستون الذي تحتفل الدولة اليهودية بذكراه، وهو ليس يهودياً؛ بل بروتستانتي ولد عام (1841م)، ودعا إلى الحركة الصهيونية قبل هرتزل بزمن وذلك في كتابه المسمى: (عيسى قادم) وقد ترجم إلى أكثر من 48 لغة منها العبرية، وطبع عدة طبعات وبيع منه أكثر من مليون نسخة، وكان أوسع الكتب انتشارا في القرن التاسع عشر في الغرب.
ويتلخص فكر
بلاكستون فيما أسماه: " الاستعادة الأبدية لأرض كنعان من قبل الشعب اليهودي" واستطاع بلاكستون بعد ذلك أن يصوغ مع طائفة من أعوانه عريضة ويوقعها مع أكثر من 413 شخصية أمريكية من النواب والقضاة والمحامين والنخب، ويرفعوها إلى الرئيس بنيامين هريسون يطالبونه فيها باستخدام نفوذه ومساعيه لتحقيق مطلب الإسرائيليين بالعودة إلى أرض فلسطين ، وقد قدمت هذه العريضة عام (1891م).
2-في
بريطانيا أسس البروتستانت صندوقاً سمي: صندوق اكتشاف فلسطين ، أيام حكم فكتوريا ، وكان رئيس الصندوق هو رئيس أساقفة كنتربري - وهو أكبر الأساقفة في بريطانيا -، وذلك بغرض اكتشاف أرض الميعاد وحدودها ومعالمها كما وردت في التوراة.
3-ثم ظهر بعد ذلك
بلفور -صاحب الوعد المشهور- وتقول مؤلفة حياته -وهي ابنة أخته-:
إنه كان يؤمن إيماناً عميقا بالتوراة ويقرأها ويصدق بها حرفياً، وأنه نتيجة لإيمانه بالتوراة أصدر هذا الوعد وكان رئيس وزراء
بريطانيا في أيامه هو: لويد جورج الذي يقول عن نفسه:
" إنه صهيوني، وإنه يؤمن بما جاء في التوراة من ضرورة عودة اليهود، وأن عودة اليهود مقدمة لعودة المسيح"....
4- يقول حاييم وايزمان : " إن من الأسباب الرئيسية لفوز اليهود في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيا بإنشاء الوطن القومي اليهودي هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بالتوراة"(النبوءة والسياسة/10)"[9]
وقد انتشرت الأصولية الإنجيلية في أمريكا مع وصول المهاجرين البروتستانت الأوائل إليها بدءاً من سنة 1630م، وذلك بعد اضطهاد ملك انجلترا (جيمس الأول) لهم، وحملوا معهم العقائد الأصولية التي كان لها الأثر الكبير في تشكيل الفكر الأمريكي
[10].
وقد وصلت تلك الأفكار إلى المجال السياسي الأمريكي، وبدا ذلك في جهود القس وليم بلاكستون(ت:1935م)الذي كان " من أبرز دعاة العودة اليهودية إلى فلسطين، وكان أول من مارس الضغط السياسي في الولايات المتحدة من أجل تسريع هذه العودة"
[11]، وقد أسس بلاكستون منظمة تُدعى(البعثة العبرية من أجل إسرائيل)، ولا تزال هذه المنظمة مستمرة في مهمتها حتى اليوم باسم جديد هو(الزمالة اليسوعية الأمريكية) وتعتبر هذه المنظمة قلب جهاز الضغط(lobby) الصهيوني في الولايات المتحدة.[12]
وبدءاً من أربعينيات القرن العشرين بدأت تتشكل الحركة الأصولية الإنجيلية في أمريكا، على يد أشخاص ومنظمات مثل( بلى جراهام، وبل برايت، ومنظمة شباب للمسيح، والمعسكر الصليبي المسيحي)، ثم ازداد نشاطها في الخمسينات وما تلاها من عقود، وكان لانتصار اليهود سنة 1967م أثراً كبيراً في نهوض الحركة الأصولية الإنجيلية باعتبار ذلك تحقيق للنبوءات التوراتية، والتي تلعب إسرائيل دوراً كبيراً في تحققها حسب معتقداتهم.
[13]
وكانت أول ولاية لعضو من أعضاء الحركة الأصولية الإنجيلية في سدة الرئاسة الأمريكية من صيب جيمي كارتر الذي تولى رئاسة أمريكا بين عامي1976و 1980م، وفي ذلك العقد صدر كتاب (آخر أعظم كرة أرضية) للكاتب الأصولي (هال لندسي)، وقد بيع من هذا الكتاب"حوالي 18 مليون نسخة، وظل على رأس الكتب الأكثر مبيعاً خلال السبعينات، وكان يباع أكثر من أي كتاب باستثناء الكتاب المقدس"
[14]
ومنذ ذلك العقد ونشاط الحركة الأصولية ونفوذها في تزايد مستمر، وبلغه أوجه بوصول الرئيس جورج بوش الابن إلى سدة الرئاسة الأمريكية عام 2000م.
وهذه الفترة قريبة عايشناها جميعاً وعشنا ما فيها من أحداث.
وسننتقل إلى الحديث عن عقائد هذه الحركة في المبحث التالي.


المبحث الثالث:أبرز عقائد الأصولية الإنجيلية :

وقد اقتصرت هنا على ما تميزت به الأصولية الإنجيلية عن غيرها من فرق النصارى وطوائفها:
1-العصمة الحرفية للكتاب المقدس.
2- ضرورة رجوع اليهود إلى فلسطين وأحقيتهم فيها، وقيام دولتهم.
3-ضرورة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى.
4-المجيء الثاني للمسيح عليه السلام.

1-العصمة الحرفية للكتاب المقدس:
وهو أهم معتقداتها ويعتبر عصب العقيدة الأصولية بالنسبة لهذه الحركة، وتعني في اعتقادهم: أن الكتاب المقدس(العهد القديم والعهد الجديد) كلمة الله المعصومة من كل عيب ونقص والتي لا ينالها تحريف ولا نقد، وهي المصدر السامي، الذي تستمد منه كل مجالات الحياة، كما يجب أن يكون التفسير لنصوص الكتاب المقدسة حرفياً، مع رفض كل نوع من أنواع التأويل، كما أن الأصولية الإنجيلية تُعطي النص سلطة عليا، وترفض كل ما يعارضه من علم أو واقع.[15]
لذلك فإن الأصوليين الإنجيليين كما يصفهم الدكتور محمد عمار:"يدَّعون التلقي المباشر عن الله"
[16]،ويرون "أن لكل فرد الحق في أن يفهم النصوص المقدسة بنفسه دون أي وسيلة أو وساطة من كهنوت أو من سلطة كنسية، ومن المشروع دينياً وأخلاقيا-عندهم- أن يتناول الفرد الكتاب المقدس من أي وجه، ويقرأه بأي شكل، ويأخذ ما يمليه عليه عقله بحسب درجة فهمه واستيعابه"[17]
وقد حقق هذا المبدأ للصهاينة آمالاً كبيرة في عودتهم وامتلاكهم لأرض فلسطين، وذلك لأن العصمة الحرفية تعني-في اعتقاد الأصوليين الإنجيليين- عدم تأويل النصوص أو تفسيرها بغير دلالتها المباشرة، وهذا يؤدي إلى أخذ المعنى البسيط والمباشر الذي يظهر للقارئ، وعلى سبيل المثال فإن (إسرائيل) الواردة في الكتاب المقدس كما في هذا النص من سفر حزقيال: ((21وَقُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا آخُذُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ الَّتِي ذَهَبُوا إِلَيْهَا، وَأَجْمَعُهُمْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَآتِي بِهِمْ إِلَى أَرْضِهِمْ، 22وَأُصَيِّرُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الأَرْضِ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ، وَمَلِكٌ وَاحِدٌ يَكُونُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَلاَ يَكُونُونَ بَعْدُ أُمَّتَيْنِ، وَلاَ يَنْقَسِمُونَ بَعْدُ إِلَى مَمْلَكَتَيْنِ))[37/21-22] تعني في تفسيرها الحرفي البسيط والظاهر (إسرائيل) التي انحدرت من صلب يعقوب، فالمعنى الثابت: إسرائيل الجديدة الآن هي إسرائيل القديمة في الكتاب المقدس، وهذا يُعطي دلالة على أن الأمة الإسرائيلية لها الحق في العودة إلى أرض الميعاد -في اعتقادهم- من النيل إلى الفرات، وانتصارهم على أعدائهم.
[18]

2- ضرورة رجوع اليهود إلى فلسطين وأحقيتهم فيها، وقيام دولتهم:
o بعض النصوص التي يتمسكون بها في هذا الشأن:
ولأنهم يتمسكون بالتفسير الحرفي للنصوص الواردة في الكتاب المقدس وحق كل فرد في تفسيره، فكل وعد ورد فيه لا بد من العمل على تحقيقه ومن هذه النصوص:
1- ما ورد في سفر التكوين الإصحاح12: ((1وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ)).
2- ما ورد في سفر إرميا الإصحاح16: ((15بَلْ حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَصْعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ وَمِنْ جَمِيعِ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدَهُمْ إِلَيْهَا. فَأُرْجِعُهُمْ إِلَى أَرْضِهِمِ الَّتِي أَعْطَيْتُ آبَاءَهُمْ إِيَّاهَا)).
3- وفي نفس السفر الإصحاح32: ((37هأَنَذَا أَجْمَعُهُمْ مِنْ كُلِّ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدْتُهُمْ إِلَيْهَا بِغَضَبِي وَغَيْظِي وَبِسُخْطٍ عَظِيمٍ، وَأَرُدُّهُمْ إِلَى هذَا الْمَوْضِعِ، وَأُسَكِّنُهُمْ آمِنِينَ)).
فالأصوليون الإنجيليون يستدلون بهذه النصوص وبغيرها على ضرورة رجوع اليهود إلى فلسطين وأحقيتهم فيها، بل إنهم يخصون كل وعد لأبناء إبراهيم بفرع إسحاق فقط!! وهذا تأويل للنص وليس تفسيراً حرفياً على نهجهم.
[19]

o تصريحات قادة الحركة الأصولية الأمريكية عن ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين:
وقد ظهر الإيمان بهذه النصوص والقناعة التامة بما ورد فيها على لسان قادة الحركة الأصولية الإنجيلية الأمريكية:
1-فهذا جيري فالويل يقول- في مقالة له في صحيفة كوريو تايمس في فبراير من عام 1983م- :" إنه يفضل أن يصادر الإسرائيليون أجزاء من العراق، وسوريا وتركيا والعربية السعودية ومصر والسودان وكل لبنان والأردن والكويت وفيما يتعلق بحدود الانتداب على فلسطين، فهي كلها تخص اليهود، وفي هذه المقالة قال فالويل: لقد بارك الله أمريكا لأننا تعاونا مع الله في حماية إسرائيل التي هي عزيزة عليه"
[20]
2- وهذا بات روبرتسون يعتبر استيلاء إسرائيل على القدس : "أهم حدث تنبؤي في تاريخ حياتنا-بزعمه- وأن زمان غير اليهود قد قارب على النهاية"
[21]
وبات روبرتسون يعد أحد قواد الحركة الأصولية الإنجيلية في أمريكا.
3-وهذا هال لندسي صاحب كتاب (آخر أعظم كرة أرضية) يقول:" إن دولة إسرائيل هي الخط التاريخي لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل، فقبل أن يصبح اليهود أمة لم يكشف عن شيء، أما الآن وقد حدث ذلك، فقد بدأ العد العكسي لحدوث المؤشرات التي تتعلق بجميع النبوءات، ولأنه يجب أن تظهر هناك دوائر لقوى سياسية معينة، واستناداً على النبوءات فإن العالم كله سوف يتمركز على الشرق الأوسط وخاصة على إسرائيل في الأيام الأخيرة. إن كل الأمم سوف تضطرب، وسوف تصبح متورطة بما يجري هناك. إن باستطاعتنا الآن أن نرى أن ذلك يتطور في هذا الوقت، وياخذ مكانه الصحيح في مجرى النبوءات تماماً كما تأخذ الأحداث اليومية مواقعها في الصحف اليومية"
[22]
o الهدف من رجوع اليهود إلى فلسطين:
يبين ذلك الدكتور عبدالوهاب المسيري الهدف من هذا الرجوع في موسوعته تحت عنوان:( العقيدة الاسترجاعية) بقوله: "العقيدة الاسترجاعية هي: الفكرة الدينية التي تذهب إلى أنه كيما يتحقق العصر الألفي، وكيما تبدأ الألف السعيدة التي يحكم فيها المسيح(الملك الألفي)، لا بد أن يتم استرجاع اليهود إلى فلسطين، تمهيداً لمجيء المسيح...
ويرى الاسترجاعيون أن عودة اليهود إلى فلسطين هي بشرى الألف عام السعيدة، وأن الفردوس الأرضي لن يتحقق إلا بهذه العودة، كما يرون أن اليهود هم شعب الله المختار القديم أو (الأول) باعتبار أن المسيحيين هم شعب الله المختار الجديد (الثاني) ولذا فإن أرض فلسطين هي أرضهم التي وعد الإله بها، ووعود الرب لا تسقط... ولذا فإن كل من يقف في وجه هذه العودة يُعتبر من أعداء الإله، ويقف ضد الخلاص المسيحي، فأعداء اليهود اليوم هم أعداء الإله"
[23]
3-ضرورة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى:
والهيكل: " كلمة سومرية معناها (البيت الكبير)، والهيكل: هو مكان عبادة الله، وهو يقوم مكان الكنيسة اليوم، ولكن اليهود لم يطلقوا اسم الهيكل على كل مكان للعبادة بل على مكان واحد كبير في القدس، ما باقي أماكن العبادة فكانت تسمى مجامع ومفردها مجمع"
[24].
والهياكل التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس-حسب معتقد الأصوليين- خمسة هياكل:
1-هيكل سليمان. 2-هيكل زروبابل. 3-هيكل هيرودوس الكبير. 4-هيكل الضيقة العظيمة. 5- هيكل الملك الألفي.
والذي يعنينا هنا هو هيكل الضيقة العظيمة، والذي يريد الأصوليون بناءه مكان المسجد الأقصى للتعجيل من مجيء المسيح ثانية إلى الأرض.
يقول هال لندسي: "لم يبق سوى حدث واحد ليكتمل المسرح تماماً أمام دور إسرائيل في المشهد العظيم الأخير من مأساتها التاريخية، وهو إعادة بناء الهيكل القديم في موقعه التاريخي، ولا يوجد سوى مكان واحد يمكن بناء الهيكل عليه استناداً إلى قانون موسى في جبل موريا حيث شيد الهيكلان السابقان"
[25]
ويقول أحد الأصوليين ويُدعى (أون) عندما كان في رحلة إلى القدس-وهو ينظر إلى قبة الصخرة- : "إن النبوءة الإنجيلية تقضي بأن على اليهود تدمير هذا الصرح وبناء هيكل يهودي مكانه"
[26]
أما هيكل الملك الألفي فسيبنى حسب اعتقادهم في بداية العصر الألفي السعيد للمسيح.
فالأصوليون الإنجيليون يعتقدون بأنه لا بد بناء الهيكل حتى تتم النبوءات التوراتية، وللتعجيل بمجيء المسيح ثانية إلى الأرض، وحتى يرجع المسيح إلى الأرض مرة أخرى فلا بد من رجوع اليهود إلى فلسطين وبنائهم للهيكل وممارستهم للطقوس اليهودية فيه، ثم تأتي شخصية يقال لها(النبي الكذاب) تساعدها شخصية أخرى تسمى (الوحش) فيبطلان كل نشاط ديني يهودي في الهيكل ويفرضان عبادة الوحش الذي توضع صورته في الهيكل، وهذه هي العبادة الوثنية أو (رجسة الخراب)، وسيقومان باضطهاد البقية التقية من اليهود والأمم الذين يؤمنون بالإنجيل والذين رفضوا عبادة الضلال، وسيكون هذا كله في وقت الضيقة العظيمة أو الأسبوع السبعين(الأسبوع الأخير)الذي تحدث عنه دانيال في رؤياه، وهذا الاضطهاد الشديد من الوحش والنبي الكاذب يؤدي إلى هذه الضيقة، وعندها ينزل المسيح ثانية من السماء لينقذ المؤمنين ويقضي على النبي الكذاب وأتباعه.
ويستدل الأصوليون على عقيدتهم هذه بما ورد في إنجيل متى الأصحاح24: ((1ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَمَضَى مِنَ الْهَيْكَلِ، فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ لِكَيْ يُرُوهُ أَبْنِيَةَ الْهَيْكَلِ. 2فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!».
3وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ:«قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟» 4فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. 5فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. 6وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلُّهَا، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ. 7لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ. 8وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ. 9حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيق وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي. 10وَحِينَئِذٍ يَعْثُرُ كَثِيرُونَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُبْغِضُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. 11وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. 12وَلِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ. 13وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. 14وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ. ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى.
15«فَمَتَى نَظَرْتُمْ «رِجْسَةَ الْخَرَابِ» الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ ­لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ­)).
فالأصوليون يستدلون بما ورد في هذه الفقرات على أن من علامة مجيء المسيح ثانية خراب الهيكل، إذاً لا بد من وجود الهيكل حتى يخرب.
4-المجيء الثاني للمسيح عليه السلام:
وهذا المجيء يعتبر من الأعمدة الأساسية في عقيدة الأصوليين الإنجيليين، ويهتم الإنجيليون بها اهتماماً كبيراً يجعلهم يبذلون كل ما في وسعهم من مال ووقت لتحقيق النبوءات الممهدة لظهور المسيح، وقد اضح ذلك معنا فيما سبق.
يقول القس إكرام لمعي: "تعتبر عقيدة المجيء الثاني من العقائد المتميزة في المسيحية، غذ تعتبر إحدى الأركان الأساسية للإيمان المسيحي...وكل مسيحي العالم تقريباً يؤمنون بهذه العقيدة، إلا أن الاختلاف يقع في كيفية وتفاصيل هذا المجيء.
وهذه الاختلافات على كيفية المجيء كانت هي الثغرة التي نفذت منها الصهيونية لتقنع بعض المسيحيين بأنها كدولة علمانية عسكرية إحدى علامات المجيء الثاني"
[27]
والغاية من المجيء الثاني للمسيح –حسب اعتقاد الأصوليين الإنجيليين-هي أن:
1-يُظهر مجده ومجد شعبه، وينقذ المؤمنين من الاضطهادات.
2- يدين الوحش والنبي الكذاب، ويقضي عليهما ويقيد الشيطان.
3-يخلص إسرائيل، وينجيهم ويصنع معهم عهداً جديدا، وفي هذا العهد تتحول إسرائيل إلى الكنيسة، ومن لا يتحول منهم يضيع كما يضيع الأمميون.
4-يدين الأمم ويحاسبها في معركة هرمجدون.
5-يقيم مملكته الألفية وعاصمتها أورشليم.
[28]
يقول جيري فالويل: "إن الله سيعود إلى الأرض، أولاً: سيأتي لإنقاذ الكنيسة، وبعد سنوات في هرمجدون سيعود إلى الأرض، ولذلك لن تكون مدمرة، وستعود الكنيسة معه لتحكم وتتوج مع المسيح على الأرض لمدة ألف سنة، ثم تأتي الجنة الجديدة، والأرض الجديدة والخلود"
[29]
ويقول مايك إيفانز – وهو أحد قادة الأصولية الإنجيلية- معلقاً على تصريح للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في يناير سنة 1985م:" لن أنس ما قاله (ريجان) لنا، أعرب الرئيس عن إيمانه بأن أمريكا على عتبة يقظة روحية، وقالك إنني مؤمن بذلك من كل قلبي، إن الله يرعى أُناساً مثلي ومثلكم في صلاة حب نبتهل إليه فيها لإعداد العالم لعودة ملك الملوك وسيد الأسياد"
[30] أي عودة المسيح عليه السلام.
ويعتقد الأصوليون أن هذا المجيء سيكون على مرحلتين هما مرحلة الاختطاف ثم تعقبها مرحلة الظهر(الاستعلان).
أ- مرحلة الاختطاف:
حيث يعتقدون أن المسيح عليه السلام سيأتي ويدعو الراقدين الأتقياء بين الأموات، وكذلك يقوم باختطاف المؤمنين الأحياء على الأرض، ويذهب بالجميع إلى السماء، ثم يأتي بعد فترة سبع سنوات وهذه السنوات سوف تكون ضيقاً على أهل الأرض.
[31]
ويستدل الأصوليون المسيحيون على هذا الاعتقاد بما ورد في الرسالة الأولى إلى كورنثوس الإصحاح15:
((51هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، 52فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. 53لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. 54وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ:«ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ». 55«أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟)) [15/51-55]
[32]
ويستدلون أيضاً بما ورد في الرسالة الأولى لأهل تسالونيكي في الإصحاح الرابع:
((13ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. 14لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. 15فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. 16لأَنَّ الرَّبّ نََفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. 17ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. 18لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ.)).




ب- مرحلة الظهور(الاستعلان):
وهذه المرحلة تعقب الاختطاف ويكون فيها المسيح ظاهراً -حسب اعتقاد الأصوليين- فإن الجميع سيرى المسيح، ويصور سفر الرؤيا –الإصحاح الأول-هذا الظهور: ((7هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. نَعَمْ آمِينَ.))
[33]
والأصوليون يعتقدون أن هذا الظهور سيكون على جبل الزيتون، لأن صعود المسيح كان من جبل الزيتون، ويستدلون بما ورد في الإصحاح الرابع عشر من سفر زكريا: ((3فَيَخْرُجُ الرَّبُّ وَيُحَارِبُ تِلْكَ الأُمَمَ كَمَا فِي يَوْمِ حَرْبِهِ، يَوْمَ الْقِتَالِ. 4وَتَقِفُ قَدَمَاهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ الَّذِي قُدَّامَ أُورُشَلِيمَ مِنَ الشَّرْقِ، فَيَنْشَقُّ جَبَلُ الزَّيْتُونِ مِنْ وَسَطِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ وَنَحْوَ الْغَرْبِ وَادِيًا عَظِيمًا جِدًّا، وَيَنْتَقِلُ نِصْفُ الْجَبَلِ نَحْوَ الشِّمَالِ، وَنِصْفُهُ نَحْوَ الْجَنُوبِ)).
[34]
وفي هذه المرحلة سيخلِّص المسيح إسرائيل ويدين الوحش والنبي الكذاب، ويدين الأمم في معركة هرمجدون، ويقيم ملكه الألفي في أورشليم بعد انتصاره في معركة (هرمجدون).
وسنتحدث عن هذه المعركة في الفقرة القادمة بإيجاز أرجو ألا يكون مخلاً.
1-معركة هرمجدون:
هرمجدون "كلمة مكونة من كلمتين : (هار) وتعني (تل) و(مجيدو) إسم مدينة في فلسطين (مجيدون)، وتقع بالقرب منها عدة جبال ذات أهمية استراتيجية"
[35]، وقد ذكرت في العهد الجديد في رؤيا يوحنا اللاهوتي(سفر الرؤيا) [الإصحاح16-الفقرة16]
ويؤمن بهذه المعركة حوالي 62 مليون أمريكي من الشعب الأمريكي حسب استطلاع أجرته جامعة أكرون عام 1996م.
[36]
بل إن الإعلام الغربي والأمريكي الموجه من قبل الصهاينة استغل حادثة (الحادي عشر من سبتمبر) لتسريع الأحداث العالمية التي يرون أنها تمهد لمعركة هرمجدون، وأكبر دليل على ذلك حرب العراق واحتلاله من قبل أمريكا ولا زال الحدث قائماً.
وقناعة الأصوليين بهذه المعركة وإيمانهم بوقوعها تؤكده شواهد ونصوص كثيرة منها مثلاً هذا التصريح على لسان جيمي سواجارت(المبشر التلفزيون) إذ يقول: " إنني أؤمن بأن هرمجدون مقبلة، إن هرمجدون قادمة وسيخاض غمارها في وادي مجيدو، إنها قادمة.
إنهم يستطيعون أن يوقعوا على اتفاقيات السلام التي يريدون، إن ذلك لن يحقق شيئاً، هناك أيام سوداء قادمة، إن مشاكل إفريقيا لن تُحل، وكذلك مشاكل أمريكا الوسطى، ومشاكل أوروبا، إن الأمور ستتوجه نحو الأسوأ.
إنني لا أُخطط لولوج جهنم القادمة، إن الله سوف يهبط من عليائه، يا إلهي: إنني سعيد من أجل ذلك! إنه قادم ثانية.
إنني لا أكترث لمن تسبب له هرمجدون القلق والمتاعب، إنها تنعش روحي"
[37]
وهناك تصريحات أخرى لإنجيليين آخرين كبلي جاهام، ورونالد ريجان والقس كرسويل وغيرهم
[38].
بل إن الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش الابن أعلن بعد حادث 11/9/2001 أنه سيخوض حرباً صليبية مقدسة، وأعلن أكثر من مرة أنه حربه ضد قوى الشر.
بل إن رئيس وزاء الكيان الصهيوني السابق آريل شارون عزى الرئيس الأمريكي بعد حادث سبتمبر ثم دعاه للقيام بالحرب ضد قوى الشر، وهو يعلم ما يعنيه هذا المصطلحن ويعلم دلالته عند الإنجيليين، وكأنه يُذكر الرئيس الأمريكي بمعركة (هرمجدون).
[39]
2-أحداث معركة هرمجدون حسب اعتقاد الأصوليين:
يعتقد الأصوليون أن معركة هرمجدون ستون عبارة عن عدة معارك تقوم بين قوى الخير وقوى الشر، فقوى الخير بقيادة ملك الملوك(عيسى عليه السلام) وجيوش السماء وهي تضم كل من أُخذوا واختطفوا، وقوى الشر متمثلة في تحالفات بقيادة جوج وماجوج-الاتحاد السوفييتي في اعتقادهم- وجيش ملك الشمال بقيادة تركيا، وجيش ملك الجنوب بقيادة مصر، وكذلك التحالف الغربي الذي يضم الوحش والنبي الكذاب.
وتبدأ المعارك أولاً بالقضاء على التحالف الغربي، ثم القضاء على ملك الجنوب وملك الشمال، وأخيراً القضاء على جوج وماجوج.
وموقع المعركة-حسب اعتقادهم-يوضحه جيري فالويل بقوله: "إن ساحة معركة هرمجدون سوف تمتد من مجيدون في الشمال إلى أيدوم في الجنوب مسافة حوالي(200ميل) وتصل إلى البحر المتوسط في الغرب إلى تلال موهاب في الشرق، مسافة 100ميل تقريباً"
[40].
وهذا يوضح لنا سر اهتمام أمريكا بالقضية الفلسطينية ودعمها ومساندتها لإسرائيل ولبقائها.
[41]
وقد ورد الحديث عن المعركة وتفاصيلها في سفر الرؤيا[19/11-16] وسفر دانيال[11/40-45]وسفر حزقيال[30] وغيرها..
وهنا لا بد لنا أن ننتبه إلى نقطة مهمة وجوهرية وهي أن تفسيرات الأصوليين للنصوص والنبوءات يتغير تبعاً للأهواء والأغراض السياسية والشخصية أحياناً، فقد كان الأصوليون الإنجيليون يفسرون جوج وماجوج ب(الاتحاد السوفيتي) وبعد سقوط الشيوعية فسروها (بالشيشان وكوسوفا والبلاد الإسلامية في هذه المنطقة) ثم تغير هذا التفسير إلى بعد أحداث سبتمبر 2001م إلى (أفغانستان) بقيادة أسامة بن لادن وهكذا...
[42]
فالتفسيرات لدى الحركة الأصولية تابعة للأهواء والأغراض الشخصية وهي مطية للسياسة الأمريكية، وليس معنى ذلك تصديق النصوص الواردة أو الحكم بصحتها ابتداءً،فنحن نعلم ما تتعرض له العهد القديم والجديد من التحريف المتتابع ونعلم الموقف الشرعي من خبر أهل الكتاب ونبوءاتهم، ولعلنا نورد هنا نصاً وافياً في هذا الجانب للدكتور سفر الحوالي في كتابه (يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب) إذ يقول:
" موقفنا من نبوءات أهل الكتاب هو نفس الموقف من عامة أحاديثهم وأخبارهم، فهي ثلاثة أنواع: -
أولاً: ما هو باطل قطعاً:
وهو ما اختلقوه من عند أنفسهم أو حرفوه عن مواضعه، كدعوى أن نبي آخر الزمان سيكون من نسل داود، وأن المسيح الموعود يهودي، وطمسهم للبشارة بالإسلام ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعموماً هو كل ما ورد الوحي المحفوظ (الكتاب والسنة الصحيحة) بخلافه.
ثانياً: ما هو حق قطعاً، وهو نوعان:
أ ) ما صدقه الوحي المحفوظ نصاً، ومن ذلك إخبارهم بختم النبوة، وإخبارهم بنـزول المسيح عليه السلام، وخروج المسيح الدجال، وإخبارهم بالملاحم الكبرى في آخر الزمان بين أهل الكفر وأهل الإيمان، ومن هذا النوع ما قد يكون الخلاف معهم في تفصيله أو تفسيره.
ب) ما صدقه الواقع، كما في
صحيح البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: (كُنت بـاليمن ، فلقيت رجلين من أهل اليمن : ذا كلاع وذا عمرو فجعلت أحدثهم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال ذو عمرو : لئن كان الذي تذكره من أمر صاحبك؛ فقد مرَّ على أجله منذ ثلاث. وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رُفِع لنا ركب من قبل المدينة ، فسألناهم، فقالوا: قُبِضَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستُخلف أبو بكر والناس صالحون، فقالا: أخبر صاحبك أنا قد جئنا ولعلنا سنعود إن شاء الله، ورجعا إلى اليمن ، فحدثت أبا بكر بحديثهم، فقال: أفلا جئت بهم. فلما كان بعدُ قال لي ذو عمرو : يا جرير ! إن بك عليَّ كرامة، وإني مخبرك خبراً، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمَّرتم في آخر، فإذا كان بالسيف كانوا ملوكاً، يغضبون غضبَ الملوك ويرضون رضا الملوك) [البخاري 4101]

ثالثاً: ما لا نصدقه ولا نكذبه:
وهو ما عدا هذين النوعين، كما قال صَ
لَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم..) [البخاري 4485]"[43]

3-الحكم الألفي:
يعقب هرمجدون قيام الحكم الألفي، حيث سيقيم المسيح-حسب اعتقادهم- مملكته على الأرض لمدة ألف عام سيحكمها من مركز قيادته في أرشليم(القدس)، وسوف ينشر في هذه المملكة السلام والعدل والاستقرار.
[44]
ويستدل الأصوليون لعقيدة الملك الألفي بما ورد في سفر الرؤيا : ((4وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ. 5وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. هذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى. 6مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى. هؤُلاَءِ لَيْسَ لِلْمَوْتِ الثَّانِي سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً ِللهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ)) [20/4-6]
وهذه الحقبة هي آخر حقب التاريخ في اعتقادهم وبعدها سينتهي العالم.
والحمد لله أولاً وآخراً.


الخاتمة:

في ختام هذا البحث الذي أرجو أن أكون قد وفقت فيه لتسليط الضوء على الأصولية الإنجلية وأوضحت دورها في الصراع بين المسلمين وأهل الكتاب هذه أبرز النتائج التي توصلت إليها:
1-تُعرَّف الأصولية الإنجيلية بأنها حركة مسيحية تنصيرية، متشددة، تدعو إلى العصمة الحرفية للكتاب المقدس، والعودة الحقيقية للمسيح، وقيام الحكم الألفي.
2-ترتبط الحركة الأصولية الإنجيلية بالطائفة البروتستانتية نشأة وتاريخاً وحاضراً.
3-لليهود دور كبير في نشوء البروتستانت، وامتد هذا الدور بل وتعاظم في الحركة الأصولية الإنجيلية.
4-يرى الدكتور سفر الحوالي أن الصهيونية البروتستانتية نشأت قبل الصهيونية اليهودية وكان ذلك على يد بلاكستون البروتستاني الذي يتلخص فكره في" الاستعادة لأرض كنعان من قبل الشعب اليهودي".
5-بلفور صاحب الوعد المشؤوم كان يؤمن يصدق التوراة حرفياً ويؤمن بها إيماناً عميقاً.
6- انتقلت الأصولية الإنجيلية إلى أمريكا مع وفود البروتستانت إليها قادمين من أوروبا بعد اضطهادهم فيها من قبل الكاثوليك.
7-كان أول وصول للأفكار الأصولية للمشهد السياسي الأمريكي على يد القس وليم بلاكستون عام 1935م، والذي مارس أول ضغط سياسي على الإدارة الأمريكية للمساهمة في تسريع عودة اليهود إلى فلسطين.
8-بدءاً من أربعينيات القرن الماضي ظهر الأصوليون بوضوح على الساحة الأمريكية، وأسسوا العديد من الجمعيات، واستلموا الرئاسة في السبعينات(كارتر)، وفي الثمانينات لفترتين(ريجان)، ثم في نهاية القرن العشرين وبدابة الألفية الثالثة(بوش الابن).
9-أبرز عقائد الأصولية الإنجيلية: 1-العصمة الحرفية للكتاب المقدس. 2-ضرورة رجوع اليهود إلى فلسطين وأحقيتهم فيها. 3-ضرورة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى. 4- المجيء الثاني للمسيح عليه السلام.
10-كل من يقف في وجه عودة اليهود إلى فلسطين يُعتبر عند الأصوليين من أعداء الإله، ويقف ضد الخلاص المسيحي، لأن مجيء المسيح مرتبط بعودة اليهود إلى فلسطين.
11-تقضي النبوءة الإنجيلية والتي يعتقدها الأصوليون ويؤمنون بها بهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل مكانه.
12-يُعتبر المجيء الثاني للمسيح أهم عقائد الأصوليين الإنجيليين، وهم يهتمون بهذه العقيدة اهتماماً كبيراً ويبذلون في سبيلها كل ما يستطيعون من جهد ومال.
13-يعتقد الأصوليون أن المسيح عليه السلام سيقود قوى الخير لمحاربة قوى الشر في سهل هرمجدون، وسينتصر عليهم ويُقيم بعد ذلك ملكه الذي يمتد ألف عام ينشر فيه العدل والسلام والرحمة وبعد ذلك ينتهي العالم.


المراجع
1-الأصولية الإنجيلية نشأتها وغايتها وطرق مقاومتها-صالح بن عبدالله الهذلول-دار المسلم للنشر والتوزيع-الرياض- ط1- 1416هـ،1996م
2-الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي- جورجي كنعان- دار بيسان- بيروت- ط1- 1412هـ
3-الأصولية بين الغرب والإسلام-محمد عمارة-دار الشروق –القاهرة-ط1-1418هـ
4-البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني-دراسة في الحركة 2-الأصولية الأمريكية- د/يوسف الحسن-مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت-ط1-1990م
5-الحركة المسيحية الأصولية الأمريكية وعلاقتها بالصهيونية- محمد إبراهيم الشربيني صقر-دار التوزيع والنشر الإسلامية-القاهرة-ط1-1424هـ
5-دراسات في الأديان- سعود بن عبدالعزيز الخلف- دار أضواء السلف- الرياض- 1425هـ-ط4.
6-دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند- محمد ضياء الأعظمي-مكتبة الرشد- الرياض-1422هـ- ط1.
7-الصهيونية المسيحية- محمد السماك-دار النفائس- بيروت- ط3-1413هـ، 1992م.
8-مفهوم الأصولية الإسلامية عند الغربيين(عرض ونقد)- د/عبدالله بركات- بدون ذكر( التاريخ، دار الطبع)
9-قاموس المورد-منير البعلبكي-دار الملايين-بيروت-1997م- ط11
10-موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية- عبدالوهاب المسيري-دار الشروق-القاهرة-بدون تاريخ.
11-موقع الدكتور سفر الحوالي على الشبكة العنكبوتية http://www.alhawali.com
12-النبوءة والسياسة( الإنجيليون العسكريون في الطريق إلى الحرب النووية)-جريس هالسل-دار الشروق- القاهرة- ط4- 1998م.
_________
[1] - البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني(10)
[2] - قاموس المورد(383)
[3] - أنظر: الأصولية الإنجيلية(35)
[4] - المصدر السابق(31)
[5] - أنظر: دراسات في الأديان(376)،دراسات في اليهودية والمسيحية(476-478)
[6] - دراسات في اليهودية والمسيحية(478).
[7] - أنظر: الأصولية الإنجيلية(18)
[8]http://www.alhawali.com/index.cfm?method=home.SubContent&contentID=3973 موقع الشيخ سفر الحوالي.
[9] - http://www.alhawali.com/index.cfm?method=home.SubContent&contentID=3974 موقع الشيخ سفر الحوالي.
[10] - أنظر: الحركة المسيحية(52)
[11] - الصهيونية المسيحية(58)
[12] - انظر: المصدر السابق(59)
[13] - أنظر: الحركة المسيحية(52-60)
[14] - النبوءة والسياسة(17)
[15] - أنظر: الحركة المسيحية الأصولية الأمريكية وعلاقتها بالصهيونية(105)، ومفهوم الأصولية الإسلامية عند الغربيين(51)
[16] - الأصولية بين الغرب والإسلام(7)
[17] - الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي(36)
[18] - أنظر: الحركة المسيحية الأصولية الأمريكية وعلاقتها بالصهيونية(107).
[19] - انظر: الحركة المسيحية(112-113)
[20] - أنظر: النبوءة والسياسة(110)
[21] - البعد الديني(117).
[22] - المصدر السابق(38).
[23] - موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية(5/142)بتصرف
[24] - الحركة المسيحية الأصولية نقلاً عن قاموس الكتاب المقدس(122)
[25] - النبوءة والسياسة(77)
[26] - المصدر السابق(21)
[27] - الاختراق الصهيوني للمسيحية(178) بتصرف.
[28] - أنظر:الأصولية الإنجيلية (53-54) نقلاً عن كتاب محاضرات في علم اللاهوت النظامي لهنري ثيسن(604-610)
[29] - النبوءة والسياسة(34)
[30] - المصدر السابق(148)
[31] - أنظر: الحركة المسيحية(135)
[32] - المصدر السابق(135-136)
[33] - وموضوع سفر الرؤيا(رؤيا يوحنا اللاهوتي) هو هذا المجيء وممهداته وما يعقبه من أحداث.
[34] - أنظر : الحركة المسيحية(138-139)
[35] - موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية(5/143)
[36] - الحركة المسيحية(140)
[37] - النبوءة والسياسة(29)
[38] - أنظر: الحركة المسيحية(143-144)
[39] - أنظر: المصدر السابق(144)
[40] - أنظر: النبوءة السياسة(39)
[41] - أنظر: الأصولية الإنجيلية(59-61)، الحركة المسيحية(144-152)
[42] - الحركة المسيحية(152)
[43] - http://www.alhawali.com/index.cfm?method=home.SubContent&contentID=55 موقع الشيخ سفر الحوالي.
[44] - المصدر السابق(153)، الأصولية الإنجيلية(54)